قصة قصيرة
2 min
وبقيت أنا
لؤي رمضان
خلدون... فتى غرير كثير الهجع والتفكّر، عديم الإفصاح، العالم الذي في رأسه أكبر من العالم الذي رأسه فيه
توسّط السلّم في ترتيب العائلة بعد خالد الذي توفّاه الله وهو رضيع وقبل يحيى الذي اتّخذ الحظوة الأكبر في قلب والديه، لعلّ ذلك ما لامس فؤاد خلدون فجعل من قلبه زنزانة يقبع وراء قضبانها وابل من الأزمات والكلمات العالقة، كلّهم يتشاجرون بينهم للحصول على مفتاح لباب السجن، لكن هل من مجيب لصرخة "كفى!" التي يطلقها عقله الهَرِم كلّ فترة؟
استمرّت سطوة الفلسفة الفكريّة معه برهة زمنيّة في ظلّ غياب الحضن الدافئ الذي يلمّ شعثه وفقدان النصيحة التي وإن تخلّلتها لطمة على الخدّ أو جلدة بحزام تبقى جميلة وبليغة أيضًا، والأهمّ جليس يمتلك مفتاح الزنزانة المزدحمة فيفتحها له ليفرج عنه شيئًا من كربه
لكن لسوء حظّه في أشدّ فترات حاجته لكلّ ذلك كان جليسه الوحيد الشيطان، الذي لعب في عقله وحرّك ضميره فقاده إلى المخدِّرات الهاوية مُبعدًا إيّاه عن الصِّراط الهادية، مادّة مخدِّرة تُسكن عناء الكتمان قليلًا فتكسوه براحة بال كاذبة بالية تكفّه همّ قلبه الصامت مؤقّتًا
سَلِّم واستلم كالعادة يا خلدون -
(قال تاجر المخدِّرات في إحدى الصفقات المعتادة)
بُشِّرتَ بذلك... -
أرجو أن تكون جودة البضاعة كما كانت، يبدو لي أنّها ساءت في الآونة الأخيرة
(عقّب خلدون)
:أرخى التاجر دفاعاته وصاح
ماذاااا؟! أتتّهمني ب -
لم يلمح التاجر سوى غبارًا خَلَّفه خلدون خَلْفه عندما هرب بدرّاجته سارقًا علبة المخدّرات التي احتفظ بها التاجر تحت إبطه
والله لترينّ الجحيم يا خلدوووون -
تذكّر ذلك يا فتى..
أردف بصرخة لم تُسمع لاختلاطها بصوت محرّك الدراجة التي غادرت مرمى بصره
عاد خلدون لبيته بعدما خبّأ العلبة في المكان المعتاد في حديقة منزلهم ونام بسرعة فقد تسلّل له النُّعاس بعد يوم حافل بالمغامرات
استيقظ خلدون من نومه على صوت أمّه التي فتحت الستائر لتيقظ فلذة كبدها يحيى، فبالكاد رآها برؤيته الضبابية وعينيه شديدتا الاحمرار. "يحيى هيّا استيقظ... ليس من عادتك ثقل النوم، هل سهرت بالأمس على هاتفك دون علمي؟" قالت الأم ذلك بينما كانت تفرك عينها ماسحة النوم من وجهها، حتَّى سَمِعَت فجأة صوت قطرات متتالية تحت الفراش فانحنت قليلا لتطلّ إذ بها تطيل الانحناء ممَّا أثار فضول خلدون فذهب إليها بعدما تجاهلته عندما ناداها مرارًا، حينها صُعق خلدون... على الأرض بركة دماء تزداد حجمًا بتزايد القطرات المتساقطة وتسارع نبضه أكثر عندما رأى وجه أمه الهَلِع. الصدمة الصامتة استولت على المكان لمّا أزال خلدون اللّحاف عن أخيه إذ به غارق في دمه وقد بانت أعضاؤه الصغيرة نتيجة طعنه بسكين في منتصف صدره الهشّ
:قالت الأم بعد بلع ريقها والدمع يقفز من جفنها
لا لا لا لا!!! -
لا يمكن أن يكون هذا حقيقة أفقد خالد ثمّ أرى ابني الآخر مهشَّم العظام مقتول من قبل مجهول في فراشه والكلّ نائم، أ....
انقطع صوتها بعد شهقة خفيفة أطلقتها فقد أغمي عليها، بينما جلس خلدون جلسة الرَّضيع ممسكًا برأسه بين كفّيْه مدركًا بأنّه السَّبب وراء ما جرى لأخيه
بعد أيّام من التحرّي من قبل الشرطة ألقي القبض على الجاني، وتمّ نقل خلدون لمركز إعادة التأهيل بعد العثور عليه هاجعًا في الشارع بسبب جرعة زائدة وبجانبه ورقة صغيرة كتب عليها
سُمِّي أكبرهم خالد لتخلد إنجازاته في ألبوم العائلة، فكَذِب اسمه ومات... ثمَّ سُمِّي أصغرهم يحيى ليحيا، فدفنته بيديَّ هاتين... وبقيت أنا
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection