قصة قصيرة
2 min
إطارات سوداء
إسراء النعيم القرشي
في اجتماعٍ لأصدقاء قدامى، وبينما تحرك قطعة حلوى الشوكولاتة وتبتسم لنكتةٍ لم تفهمها، تنقر السوداوية على كتف البنت، وتقول لها: لستِ مدعوة للضحك على النكتة العابرة، أنتِ لم تفهمي ما قصدوه، لم تكوني معهم في الاجتماع السابق
وفي مأدبةٍ لاحقةٍ تجمع الأصدقاء بمناسبة حصول أحدهم على الماجستير. تقول: لاحظي أنهم جميعا يرتدون الأسود. وحين تهمُّ بسؤالهم هل هي مصادفة أم أنهم خططوا لذلك، تهجم السوداوية: لا، لا تسأليهم هل اتفقوا على "دريس كود" شأن تجمعات هذه الأيام
تحاول البنت النقاش مع سوداويتها: لقد دعوْني، إنهم يقدرونني، ولا أظن أن سؤالًا كهذا سيزعجهم، كما أني متأكدة من أنها مصادفة. وتحرك شوكتها في صحن من السلطة
تهجم السوداوية بنبرةٍ مؤنِّبة: لقد دعوكِ لكن هذا لا يكفي كي تتأكدي أنهم يريدونك، ربما فعلوا تجملًا، لم يستطيعوا ألا يفعلوا وإلا ستُثار استفهامات كثيرة هم في غنى عنها
فهم سعداء، لا ينقصهم شيء
ترتعد البنت وتسقط الشوكة، تفكر: يعلو صوت سوداويتي يومًا بعد يوم. وترفع ما سقط منها
تسألها صديقة بجوارها: أنتِ بخير؟
لكن السوداوية تنهرها: لا تجيبي سوى بابتسامة، لا شيء لتقوليه، حتى صديقتك الأقرب سألتك هذا السؤال البارد كي تتجمل أمام نفسها، لسنا نبلاء، ولنا نصيب في كل معروف نؤديه مع الآخرين، لا تجيبيها بأكثر من ابتسامة باردة تماما مثل سؤالها
وحين تحاول البنت الدفاع عن صديقتها أمام السوداوية، تقاطعها: لا تلاحظي احمرار أنفها وخديها، ليس ذلك جراء إحراجها، وشعورها بالخزي من صمتك، ألم تلحظي أنها أسرفت في الضحك والارتياح؟ لا شك أنها مرتاحة للمكان وتعلم أن أحدًا ما سيقلها في النهاية، فهم جماعات جماعات، وحدكِ وحدك
تعمي السوداوية قلب البنت من ملاحظة بطن صديقتها الحامل وحركتها الثقيلة
تعود البنت إلى المنزل وحدها، كما تنبأت لها السوداوية، لكنها تكون قد رفضت أن يقلها صديق لطيف تشك في كونه معجبًا..
وهي تتمشى إلى المنزل حاملة كعبها العالي المتعِب في يدها، تتقافز حولها السوداوية مثل طفلٍ لم يفقد حتى مع نهاية اليوم نشاطه
والسوداويةُ ترمي لها بالكلام السام، جملة بعد جملة، أدركت البنت أن لها صوتًا تعرفه، صوتا لامرأة في الثمانين، يتبدل أحيانا، ليصبح صوتًا لامرأة في الستين
تفتح باب منزلها، وهناك في جدار الصالة الساكنة ترى صورة والدتها، شريط أسودُ في الزاوية، ترى صورة جدتها جوارها، شريط أسود في الزاوية، تتخيل صورتها جوارهما لكن دون أن يكون لها من بنت تفتح الباب وترى الأطر
تقشعر، قشعريرة تنبهها إلى جهازها الجوال، صديقها الذي عرض عليها توصيلة أرسل لها رسالة لطيفة: بدوتِ جميلة اليوم في الأسود
تلاحظ فستانها، الآن فقط تنتبه، فستانُها أسود كأنها اتفقت معهم على لباس موحد، شأن تجمعات هذه الأيام! تجيب من فورها برسالة..بل هذا من لطفك. تلحقُ وردة بالرسالة
وهكذا تضيء علامة: المستخدم يكتب رسالة، بين هاتفها وهاتفه. لا تستجيب لجسدها الذي يريد أن ينام، وفي الصالة تضيء البنت الثريا، لكن الثريا فوق جدار الصور لا تعمل، تجرب البنت مفتاح الضوء أكثر من مرة
لكنها في النهاية تستسلم، تعفي نفسها من مهمة إصلاحها، وتبتسم
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection