قلق

مرح الحسبان

مرح الحسبان

لحظة صمت شعر بها الصبي أن العالم توقف، تسارعت دقاتُ قلبه مع مُضي كل ثانية تزامناً مع ارتفاعِ مستوى الإِدرينالين في أوردته، دب الذعر في أوصاله فأمسك بيده بقوة؛ ليمنعها من الارتجاف
 
الضابط ذو البزة العسكرية ينظر إليه بترقب منتظرًا منه التحدث، فامتلأت عيون الصبي العسلية بالدموع بينما تصبب العرق البارد على جبينه الساخن
 
لماذا لا يخرج صوت الصبي من حنجرته الجافة؟ لقد حاول مراراً التفوه بأي حرف، ولكن -عبثاً- أصبح كالأخرس عاجزاً عن الكلام
 
بلع ريقه ولعق شفتيه الجافتين بلسانه وهو يشعر بالدوار والظمأ، تمنى لو أن يقدر على تمالك نفسه من الانهيار ويهرب إلى أقرب ملاذ أو مخرج. ولكن إلى أين المفر؟ غزة تتعرض للقصف والناس نيام. لا أحد يستطيع إنقاذه وهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه
 
قال الضابط بقسوة: إن لم تعترف بجريمتك ساحشو جمجمة رأسك الصغيرة بالرصاص
 
أراد الطفل أن يصرخ، أن يحرك رأسه نفياً، أن يتفوه بكلمة، ولكن كيف ينقذ نفسه؟ إذا كان القلق يأكل جسده الغض الطري بأسنانه الحادة. تلعثم الطفل قائلاً: أنا ل-لم أفعل شيئاً...
 
قال الضابط بغضب: كفاك كذباً واعترف، اعترف بأنك رميت حجراً على أحد الضباط
 
لم يخرج أي صوت من الطفل بينما كان يشعر الضابط بنفاد صبره فأخذ يدور حول الكرسي الذي يجلس عليه الطفل بترقب. تحرك الطفل في كرسيه بعدم ارتياح تحت نظرات الضابط المفترسة، لقد كانت إضاءة الغرفة خافتة وصوت طنين البعوض الذي لا يتوقف منذ الصباح جعل الطفل غير قادر على التحمل
 
نظر الصبي للضابط العسكري بدموع ساخنة على خديه وقال بإصرار -أخيراً- رغم الهلع، الخوف، والقلق: لقد قلت لم أفعل شيئاً...
 
لم يكد أن ينهى الصبي جملته حتى أطلق الضابط الإسرائيلي رصاصاته النارية على جسده
 
لقد كان الضابط يستمتع برؤية الصبي يتعذب بالوساوس والخوف؛ فهو يهوى زرع الرعب في قلوب الصغار من الفلسطينيين، رغم معرفته التامة بأن الطفل بريء. فما الضرر من اللهو قليلاً والعبث بمشاعر وعقل طفل بريء؟
 
لم يكن يريد قتله حتماً، ولكن رؤية الطفل ذو العيون العسلية يتمالك نفسه -أخيراً- ويتخلص من شباك القلق جعلته يشعر بالهزيمة وربما التوتر والقلق هو أيضاً

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0