قصة قصيرة
2 min
طعمية
غادة عبد العاطي
هاااع مين هناااااك.. يُفزع زعيقيهما الهواء وأوراق الشجر الجافة، يرددا كل بضع خطوات "هاااااع مين هنااااااك" بينما ينام الناس مطمئنين في بيوتهم، فخفر العمدة سيد كواسة وعديله ابراهيم كواسة يجوبان الحارات طوال الليل ليتأكدا من عدم عودة اللص الذي يسرق دكاكين أهل القرية طيلة اﻷسبوع الماضي
سيد كواسة هو دراع العمدة اليمين، وحافظ أسراره، وزوج كواسة بائعة الطعمية، الحقيقة أن أهل القرية لم يطلقوا اسم زوجته عليه هو وحده بل على أبنائهما الستة أيضا، وعديله وأختها فوزية بائعة الخضار. طعمية كواسة هي رائحة الصباح الشهية التي تستيقظ الأفواه باحثة عنها، يستقبل الجميع الصباح جوعى لرائحة زيت الطعمية الزفر، وسخونة قرص الطعمية على أرغفة الخبز البلدي، تصطف البطون أمام مقلاة الزيت في عشوائية -الحِدِق يلحق قرطاس- بسيخ حديدي تغرس كواسة قلوب أقراص الطعمية وتضعها في أقرب قرطاس جائع فاتحًا فاهَهُ أمامها فيبتسم صاحبه ابتسامة نصر ويذهب ليدفع ثمن غنيمته عند صفاء كواسة الإبنة الصغرى التي نالت حظها من التعليم حتى الابتدائية فأصبحت مكانتها تؤهلها لأن تجلس خلف طاولة النقود، بينما تتناوب الأختان الكبيرتان سيدة وست أبوها على طحن الفول المدشوش وإضافة الخُضرَة والتوابل إلى عجين الطعمية، فيعبأ المحل من الداخل برائحة خضراء وبنية
تقف كواسة فوق صخرة كبيرة، ملامحها جادة جامدة، بينما يتحرك ذراعها السمين بخفة أمامها بطاسة عميقة، مملوءة بزيت بني لم يتغير منذ أعلن ناصر تأميم قناة السويس، يومها فرحت القرية كلها فرحة بلهاء لفرحة مثقفيها، فأعلنت كواسة أن اليوم ستغير زيت الطعمية بدلاً من أن تضيف له كعادتها المزيد
محل كواسة هو أول محل يفتح أبوابه بحكم مكانة منتجها على طبلية كل بيت وكل محل حولها، يحمل الثلاثة ذكور من أبنائها مشنات الخضار من محل خالتهم ومشنة الخبز الطازج الذي خبزته الخالة قبيل الفجر ليضعوهم على سور محل كواسة، عادة يشتري الزبائن حزم الجرجير والفجل ليضيفوها على ساندوتش الطعمية، يجتمع أصحاب المحلات في طريقهم أمامها أملاً في قرطاس طعمية ساخن لسد هموم قلوبهم، قبل حتى أن يفتحوا أبواب محلاتهم وبالوعات الديون المتراكمة عليهم
الأسبوع الماضي، أصاب القرية ما أصابها..كل يومين صريخ وعويل بسوق القرية، يفتح أحدهم محله حيث يضع بضاعته وبضع قروش كسبها، فلا يجد البضاعة ولا القروش، يأتي سيد كواسة وابراهيم عديله للتحقيق فورا، ويعدان الناس بأن هذا لن يتكرر أبدا تحت حراستهما المشددة، وأن العمدة لا ممكن يسكت أبدا على الحال المايل ده
تكررت الحادثة خمس مرات على مدار أسبوع، يفتح أحدهم محله..يفجع.. يصرخ.. يلتف الجميع حوله..يعزونه.. يحمدوا الله أنه لم يصيبهم ما أصابه.. يأتي خفر العمدة.. يعدون ويتوعدون.. وفي الليل يقومان بواجبهما على أكمل وجه.. هااااع مين هناااااك
بعد أسبوعين، وبعد أن لم يتم فضح اللص، وبعد أن سُرِقت أغلب محلات القرية.. وبعد أن نامت المصيبة في كوابيس أصحابها فقط، اجتمع الناس كعادتهم أمام طاسة كواسة المهيبة ورائحة الطعمية تدغدغ أحلامهم بفطور معتبر، ووسط جموع العباد المرفوعة رؤوسهم وأيديهم بالقراطيس الفارغة، فتح أحدهم الموضوع سائلا في سذاجة: ازاي ابن الكلب الحرامي ده سرق كل المحلات إلا محلات كواسة وفوزية؟! وقع السؤال كحجر في ماء آسنٍ، فارتبك من حوله وحاولوا الابتعاد عنه للشبهة، غمزه أحدهم في جنبه قائلا: هات قرطاسك أملاهولك معايا
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection