قصة قصيرة
1 min
أنا بخير
ريم طالب
فَتحتُ عينيّ فَلَمَحتُ أصابعَ قدمي، وبَدَت من ورائها عَينا أمّي مرهقة الجفنين. نظرتُ إلى ساقي المرفوعة معلّقة بحبال فوق السرير، تحميها جبيرة بيضاء كأنّها تكفّنت، ولا تبدو منها غير أطراف أصابعي
حاولتُ أن أتكلّم، لكنّ صوت الصمت ساد. ثمّ قلتُ: "أمّي"، فكَسَر اسم "أمّي" السكونَ كما يكسرُ صوتُها رتابةَ الأيّام وهمومها. "قلبي"، أجابَت بصوتٍ تُبلّله دمعةٌ عنيدةٌ في حنجرتها... وأتبعَت: صباحُكَ فلّ، أنت بخير
أجبتُها: "أنا بخير"... لا أعرفُ إن كان ردّي إجابة أو سؤالاً، إلا أنّي -وهي بقربي- شعرتُ أنّي بخير
تذكّرتُ ما حصلَ يوم أمس، وأنا وراءَ مقود سيارتي على طريق المدينة السريع. كنتُ قد أنهيتُ حصّةَ الفيزياء، وتوجّهتُ من جامعتي إلى مقهى لألتقي بصديقي
سيارتي الجديدة تلك كانت هديّةً من والديّ في يوم تخرّجي من المدرسة منذ بضعة أشهر. سعدتُ باقتنائها واخترتُ لونها النيليّ وتفاصيلها المتطوّرة بعناية. كنتُ أقودُها وأنا مطمئنّ أنها سوف تَحميني من أيّ ضرر، فنظام الأمان فيها يُجاري أعلى مستويات التطوّر
أعطتني سيارتي شعوراً بالأمان لا مثيل له، فهي لَيسَت جديدةً فحسب، بل ذكيّة، تنبّهُني بإنذاراتها من أيّ خطر مُقدح. أمس، وأنا في طريقي للقاء صديقي، كنتُ متحمّساً كعادتي أثناءَ قيادتي وضغطتُ على دواسة البنزين وانطلقتُ على الطريق السريع. تمنحني السرعة في القيادة شعوراً بالإنجاز أشعرُ معه أنّي بَطلُ سباقات الرالي. ما حصل بالأمس لم يَستغرق أكثر من أجزاء من الثانية. ارتطمَت سيارتي فجأة بسيارة أخرى أمامي... رغم أنّ سيارتي حذّرتني من مؤشر سُرعتي، لكنّ الأخير كان قد تخطّى الإنذار، ولم يسعفني الوقتُ أن أكملَ الضغط على الفرامل
مشهدُ حطام أجزاء السيارة وأضواء سيارة الإسعاف وصوت الناس حولي في الشارع، كلّها تبدو كأنّها أمامي الآن. أحاولُ طردَ المشهد من ذهني، لكنّ صورةَ سائق السيارة التي ارتطمتُ بها لا تنفكّ تظهر أمامي وتُقلقني. كان رجلاً خمسينياً ينزف من أنفه وجبينه، وكنتُ أنا منطرحاً أرضاً لا أقوى على تحريك ساقي
مرّت بضعةُ أسابيع وساقي معلّقة أمامي في وضعيّة اعتدتُها، إذ أخبرني جرّاح العظام أنّ تلك الوضعيّة يمكن أن تساعدَ في تخفيف الألم والورم الناتج عن كسر عظمة الفخذ. دقّ باب غرفتي، ودخل رجلٌ حاملاً باقةً من الورود. قال لي: "الحمد لله على سلامتك، سألتُ عنك حتّى عرفتُ أنّك ترقدُ هُنا." نظرتُ إليه، إلى وجهه الوقور، رأيتُ ندبةً في جبينه، تلك التي كانت جرحاً ينزف حين حمله المسعفون إلى سيارة الإسعاف. ابتسمتُ و شكرتُه. اجتاحني شعورُ الندم على ما فعلتُه في ذلك اليوم. وقلتُ له: شكراً، اليوم حقّاً أنا بخير
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection