قصة قصيرة
2 min
بحثاً عن وطن
ريم طالب
أمسكَ بالمُجسَّم الصغير الذي أحضَرْتُه له هديّةً من بلَدي ثُمّ مرّرَ أصابعَهُ الدقيقة على تفاصيله، مجسّم لقلعةٍ من قلاع وَطني الصامدة، مصنوع من الجبس، ملوّن بِدقّة ولَهُ في الخلفِ مغناطيس ليُعلّقَ على الثلاجةِ أو أيّ لوحٍ معدنيّ كَرمزٍ يخلّدُ وطناً في بيوتِ الغُرَباء
أتَعْتَقِدُ أنّ مبدأ المغناطيسِ يَنطبِقُ على علاقتِك مع وطنِك؟ سألَني زميلي في العمل
نظرتُ إليه ولم أتكلّم، لكنّ سؤالَه ولّد في ذهني تَساؤلاتٍ أكثَر
ابتسمَ وتابع: "تقولُ لي أنّك إذا ابتعدتَ عنه يَجذبك". فأجبتُه: "وإذا اقتربتُ منه أشعرُ أنّنا ننتافر." ضحكنا ونظرَ كلّ منّا إلى شاشة الحاسوبِ أمامَه وأكملنا عملَنا. غالباً ما تكونُ أحاديثُنا متقطّعة في دوام عملنا الطويل
قلتُ أكملنا عملنا؟ لا، ربّما أكملَ زميلي عملَه، لكنّي غرقتُ في بحر تساؤلاتي. هل حقّاً تشبهُ علاقتي بوطني مبدأ المغناطيس؟ قال لي أنّي حين أبتعدُ عن وطني فإنّه يجذبني، فهل أنا ووطني مختلفان؟ لكنّي إذا دَنَوت أشعر بقوّة تطردُني، فهل أنا ووطني متشابهان؟
ربّما نكونُ متشابهين. في قلبي حبٌّ ونقمةٌ وثورةٌ وفوضى، تماماً كما في وطني
لكنّي، قبلَ أن أوضّبَ أغراضي في حقيبة كادَت تكونُ هي بيتي في الغربة، كنتُ أشعر أنّي ووطني مختلفان. أحاولُ هجرَه، فيعيدني إليه، يحضنني كالمشتاق إلى حبيبه حتّى قبل رحيله، يجذبني إليه فأتعلّق فيه، أتشبّثُ بتفاصيله، تماماً كالمغناطيس
حين صرتُ أُشبِه وطني أكثر اقتربتُ فطردني بقوّة
دفعني مراراً وتكراراً، فحضّرتُ أوراقي وملفَّ الهجرة، وبذلتُ كلّ جهدٍ لأحطّ رحالي في وطنٍ جديد. فهل يشبهني هذا الوطن الجديد؟
أتشبهني وجوهُ مَن حولي تنظرُ إليّ كالتماثيل الرخامية الباردة أو تكادُ لا تنظر إليّ؟
أتشبهني جموعُ الناس تمشي كالرجال الآلية لا تملكُ من التعابير لو حتّى ابتسامة؟
أتشبهني تلكَ الساعةُ في وسط المدينة ترفضُ أن تتّفقَ مع ساعة غرفة الجلوس في بيت أحبّتي؟ تشرقُ شمسي هُنا فيرقدون هناك، ويغيبُ القمر من سمائهم فأنام أنا بل حلم. حتى الأحلام هنا بالكاد تزورني
لا تشبهني الوجوهُ ولا الجموعُ ولا تلك الساعة ولا الأحلام
أَلِأنّها لا تشبهني شدّتني نحوَها كالقوّة المغناطسية؟
رجعتُ إلى البيتِ مرهقاً في ذلك اليوم. فتحتُ حقيبتي. ما زالت فيها رائحةُ الياسمين وعقد التين المجفف وريشة البلبل. وما زالت تضجّ بكلّ ذكريات الحبّ والنقمة والثورة والفوضى التي جمّعتُها في دربي الذي مشيتُ فيه بحثاً عن وطن. بحثتُ فيها عن أحلامي، فلم أجدها. أين فقدتها؟ في أيّ مدرج؟ في أي درب؟
أغلقت حقيبتي ومشيتُ عكسَ الوجوه والجموع وعكس التوقيت وحلمتُ أنّي سأعودُ أدراجي بحثاً عن وطنٍ في أرضي، ففي أرضي بشرٌ وشجرٌ وحجرٌ وفي أرضي وطنٌ هو حتماً وطني
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection