جميلةٌ من إرتريا

هاشم محمود

هاشم محمود

 بعد أن وضعت فاطمةُ طفلتها الوحيدة، أخذَت جاراتها يتردَّدن عليها لتهنئتها، وكلما رأت إحداهنَّ الوليدةَ الصغيرة تعجبت من حسنها، ودَعَت الله أن يحفظَها ويباركَ فيها، واقترحت بعضُ قريباتها أن تسميَها "جميلة"، وهذا ما كان

    كانت الصغيرة اسمًا على مُسَمّى، وزادها مرورُ الأيامِ والسنواتِ حسنًا وذكاءً؛ وصارت حديث أهل القرية، وموضع إعجاب شبابها، ولولا أنها أصرَّت على استكمال دراستها الجامعية لزُوجت وهي في آخر المرحلة الإعدادية

    لم تجهل "جميلة" أنها حسناءُ جذابة، ولم تتجاهل نظرات الفتيان إليها، ومن المؤكد أن ذلك كان يسعدها ويُرضي غرورَها، وانشغلت به أول  الأمر؛ لولا أن حياتها تبدَّلت تمامًا حين قرأت في مكتبة المدرسة مسرحية (مأساة جميلة) عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد

    شدَّها إليها في البداية الاسمُ المشترك بينهما، لكنها حين أتمت قراءتها أدركت أن حياتها كانت فارغةً من المعنى، وتوشك أن تكون بلا قيمة. وتأكد لها ذلك حين قارنت ما يشغلها وهي على عتبة الجامعة وما كان يشغل بنتَ الجزائر وهي في مثل سنها أو أصغرُ منها؛ فبينما كان الطلاب الجزائريون يرددون في طابور الصباح: فرنسا أمُّنا، كانت هي تقول: الجزائر أمنا، ولم تتراجع عن ذلك حين أخرجها ناظر المدرسة الفرنسي من طابور الصباح وعاقبها عقابًا شديدًا، ففي هذه اللحظات نفسِها ولدت ميولُها النضالية، وقررت أن تهب حياتها من أجل تحرير بلادها

    إن وطنها هي الأخرى محتل، وكثيرون من جيرانها وأفراد أسرتها سقطوا شهداء برصاص الدخلاء والمغتصبين، وهي ليست أقل من الشباب الذي يضحي بحياته من أجل بلاده، ولا يمكن أن يكون الدفاع عن الأوطان من واجب الرجال وحدهم

    لقد انضمت جميلة بوحيرد إلى جبهة التحرير الجزائرية وهي في العشرين من عمرها، والتحقت بصفوف الفدائيين تقاوم وتناضل، وأصبحت المطاردة رقم  واحد، حتى ألقيَ القبض عليها عندما سقطت على الأرض تنزف دمًا بعد إصابتها برصاصةٍ في الكتف، وبدأت من يومها رحلتها القاسية من التعذيب الوحشي الذي لم ينل من عزمها، ولم يُثنِها عن مبادئها

    منذ ذلك الحين قرَّرت "جميلة" أن يكون هُتافُها الداخليُّ: "إرتريا أمُّنا"، وأن تنضم إلى الحركات السرية التي يشكلها شباب الجامعة، وأن تبث الوعي السياسي في صفوف الطلاب والطالبات. كان يقينها أن الوطن كما هو للجميع، فإن على الجميع أن يدافعوا عنه  ويضحوا من أجله

    كانت تعرف أنها أنثى، وأنها لا تقدر على حمل السلاح، ولا على أعباء القتال؛ فعزمت على أن تدرس الصحافة، وأن تكون الكلمة الحرة الشجاعة سيفَها الذي تواجه به أعداء أمتها. وشجعتها موهبتها في الكتابة على أن تراسلَ كبريات الصحف والمجلات، داخل إرتريا وخارجها؛ فنشرت عشراتِ المقالات الثائرة والقصص الملهِمة، ولم تخشَ في سبيل أمَّتها لَوْمَة لائم

    كانت "جميلة" تدرك أن أمرَها سوف ينكشف في يوم من الأيام، وأن الجواسيس ورجال المخابرات سوف يوشون بها ويلاحقونها، ولمَّا جاءها من يخبرها بأن اسمها على رأس قائمة المطلوبين، قلَّبت النظر فيما يمكن أن تفعل، وهداها ذكاؤها إلى أن تهاجر من بلدها لتكمل تعليمها في مكانٍ بعيد، تكون فيه آمنةً على نفسها، ورأت أنه ليس من الحكمة أن تواجه المحتل الغاشم والحاكم المستبد وهي عزلاء من أي سلاح، وما دامت الكلمة هي وسيلتنا، فلا فرق بين أن نكتبها ونحن في الوطن، أو نرسل بها ونحن خارجه

    ومنذ تركت "جميلة" بلادها، وهي تحلم بالعودة إلى وطنها، ولا تفتأ تنشر المقالات، وتذيع الأحاديث، وتقيم الندوات، وتدافع عن قضية بلادها وحقوق أبناء شعبها في كل مكان تكون فيه

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0