ظلمتني أبي

فاطمة النهاري

فاطمة النهاري

 عندما رزقه الله إياها كان الشيب قد غطى شواربه وشعره، هو الذي بلغ يومها ما يناهز الخمسين سنة، ما رزقه الله غيرها
 
 كان رجلا قصير القامة أبيض اللون باستثناء وجهه وساعديه، كان جسده كثيف الشعر أصلع من منتصف الرأس ومقدمته
 
 جسده الممتلئ شعرا، صوته الخشن نهارا وشخيره القوي ليلا يوحي بأنه شخص خشن، جاد، وقد كان كذلك إلا معها
 
يوما، وهي تحتج من تضييقه عليها! سألها: أو ترين يا بنيتي رجلا رزقه الله عينًا واحدة يعبث بها؟ كذلك أنت مني، أنت عيني الوحيدة، أخاف عليك من نسمة الهواء أن تؤذيك، فما بالك أن أتركك تبيتين في بيت، غير بيتي؟ لم تره يوما منزعجا من أحد بقدر انزعاجه من موظف البلدية الذي كتب اسمها
 
 كان قد قرر أن يسميها فاطمة الزهراء، فسجلها الموظف الغافل باسم فاطمة. كان العالم يناديها كما كتبها الموظف، أما هو، فأبى إلا أن يناديها باسمها المركب، وكأنما لا يستوعب أن تُختزل صغيرته في كلمة واحدة
 
كانت عينه، وما دمعت عيناه إلا لأجلها، خوفًا يوم مرضت، فرحا يوم نجحت، وحزنًا يوم رحلت
 
دعاؤه خصصه لها، فعندما كان الناس يرفعون أيديهم إلى السماء داعين: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، كان يدعو: اللهم ربنا آتها في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقها عذاب النار
 
شاخ وضعف، وضعف معه سمعه ونظره؛
وغادرته هي إلى بلد بعيد، وليس إلى بيت بعيد
 
!وقد كان يراها في ضحكة كل طفلة يلقاها، فتسمعه يقول: هذه لها يداها، وهذه لها شعرها، وتلك تركض كما كانت تركض هي
 
علق صورها على جدران البيت، رغم أنه لم يكن بحاجة لذلك، فهي في قلبه، ترافقه في حله وترحاله
 
 وكان كلما مر أمام صورة من صورها، ألقى عليها السلام، وكلمها كما كان يكلمها وهي ابنة الخامسة، بضفيرتيها المتدليتين لأسفل ظهرها
 
 وهي طفلة، كان ينتظر دائما أن تنام؛ ليذهب ويربط ضفيرتها، مخافة أن تلتوي على عنقها. كان يتفقد حالها مرات عديدة بالليل، إن سعلت جاءها راكضا، وإن لم يسمع لها حسا جاءها راكضا
 
 إن جالس أحدهم، حدثه قائلا: اشهد أنني قد رضيت عنها؛ قدر ما في السماء من نجوم، وفي البحر من قطرة ماء، وفي الأرض من أوراق شجر 
 
أحست بانقباض في صدرها وطلبت الإذن ان ترجع إلى بيتها في نفس اللحظة وفي قارة أخرى كانت سيارة اسعاف تنقل والدها
 
 وصلتها رسالة من دكتور صديق مسحها قبل ان تقرأها، فهمت أنها رسالة عزاء تراجع عنها عندما فهم ان لا شيء يمكنه ان يعزيها في فقدان روحها رحل وترك الكون يضج بالأصوات؛ إلا من دعائه لها
 
تركها، فكان في كل مرة يستوقفها أحدهم، ويخبرها أنه أشهده على حبها ورضاه عنها
 
 كان يريد بهم أن يكونوا رسله إليها بعد غيابه
 
 خصصت دعاءها له وحده، فإذا كان الناس يرفعون أيديهم إلى السماء داعين لأنفسهم: اللهم ارحمنا واغفر لنا، وارزقنا الجنة، كانت تخصه دونها بدعائها: اللهم ارحمه واغفر له، وارزقه الجنة
 
 وقد كانت تراه في كل شيخ تلقاه، فتسمعها تقول: هذا لديه نظرته نفسها، وذاك له لحيته البيضاء نفسها، وذاك يمشي كما كان يمشي
 
 لم تكن بحاجة لتعليق صوره، فقد رحل عن العالم ليستقر في قلبها، وأصبح يرافقها في حلها وترحالها
 
 فكانت كلما مرت بموقف تذكرته، وكلما اضطرت للاختيار، أخذت ما كان سيختاره هو
 
 كانت تخاله يجلس إلى جوارها في الشدائد، يبتسم كعادته إن رآها تكدرت، فقد كان يعلم أن لا شيء يخفف عنها؛ غير ابتسامته
 
لكنها كانت إن جالست أحدهم، حدثته قائلة: ظلمني أبي
 
 تسترسل بعدها : ظلمني عندما لم يخبرني أن لا أحد سيحبني مثله. فقد كنت أظن أن العالم كله مثل أبي، حجر قاس يلين بنظرة مني، وجه عابس تشرق ملامحه بتبسمي

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0