قصص قصيرة جدًا

ابراهيم السيد

ابراهيم السيد

في بُعدٍ آخر
رأيتُهُ هناكَ، في الزاويةِ البعيدةِ من المَقهى الذي أعملُ فيه، يجلِسُ وحيدًا، مُنهمِكًا في التحديق بِكوبِ قهوتِهِ، لا يُحرّكُ ساكِنًا؛ وكأنَّما على رأسِهِ الطَّيْر
لم أعلم ما بِه، ولكِنَّني افتَرضتُ أنه قَد عادَت إليهِ ذِكرى قديمةٌ ذهبت بهِ بعيدًا، بعيدًا جدًا عن هُنا
!مكثتُ قليلًا، ثُمَّ قُلتُ في نَفسي، لأذهب إليهِ وأرى ما اعتراه. اقتربتُ منهُ كثيرًا، وما أن وَضَعتُ يَدِي على كتِفِهِ، حتّى صاحَ فزِعًا: صَفِيّة
 
 
ثِقَل 
عَرَفَهُ جَميعُ مَن في القَريةِ بتَطَفُّلِهِ وثِقَلِ دَمِهِ، حتّى اعتادَ الأطفالُ الصِّغارُ على الرَّكضِ خَلفَهُ في شَوارِعِ القريةِ، والصِّياحِ بسُخريةٍ
! "ارحَل يا ثقيلَ الظِّل، ارحَل يا ثقيلَ الظِّل"
 تكرَّرَ هَذا الأمرُ كثيرًا حتّى أزعجهُ ذلكَ ولم يَعُد يُطيقُهُ، فقرَّرَ أن يَهرُبَ بعيدًا
وفي يومٍ مِنَ الأيام، وبَينَما هُم يَصيحونَ مِن خَلفِهِ في إحدَى شَوارِعِ القَرية، ركَضَ مِنهُم بأقصَى سُرعَتِهِ، رَكَضَ ورَكَضَ حَتّى وَصَلَ إلى الغابة، ولمّا تَبَيَّن لهُ أنَّهُ قَد ضَلَّلَهُم، قَرَّرَ أن يتَمَشّى قَليلًا إلى الدّاخِل، وبَينَما هُوَ يَسيرُ بَينَ الأشجَار، سَمِعَ خَشخَشَةَ ظِلِّهِ على الحشائِش!.. ثِقَل
 
 
طَيْرٌ وفَزّاعة
دقَّ الفلاحُ عموداً خشبياً وسطَ حقلهِ واضعاً عليهِ قِطعًا من قماشٍ بالٍ وقطنٍ منسوجَينِ علَى شكلِ انسانٍ مسمّياً إياهُ فَزّاعة
في بادئ الأمر، كانتِ الطيورُ تأتي لتقتاتَ على القمحِ، فتجدُ الفزاعةَ، فتحسَبُها إنسانًا، فتفرُّ هارِبةً، لِتبقَى الفَزاعةُ تتساءلُ بِحَيرةٍ؛ لِمَ تفرُّ هذه الطيورُ منّي وأنا ساكنةٌ مكاني؟، لِمَ تفرُّ مِنّي وأنا لم أُؤذِ أحدًا منذُ أن وُضِعتُ هُنا؟
يَوْمًا بَعدَ يَوْم، بدأتِ الطيورُ تعتادُ وُجُودَ الفزاعةِ، واطمأنّت إلَيْها، صارَت تقفُ على أكتافِها، وعلى سنابل القَمحِ بالقُربِ مِنها، ثُمَّ تبدأُ بمؤانسَتِها والحديثِ إلَيْها، تستمتعُ بمُشاهدَةِ غروبِ الشمسِ مَعها. في المُقابل، بدأت الفزاعةُ تُحِبُّ عَمَلَها، وتترقبُ كُلَّ مساءٍ قُدُومَ الطيورِ لتؤانِسها وتداعبها وتُزيل عنها مللَ الصّباح المُتكَرِّر
استمرَّ الحالُ هكذا حَتّى تَنَبّهَ المُزارعُ لاعتيادِ الطيورِ على الفزاعةِ الجَديدة. في مساءِ ذلكَ اليوم، أتتِ الطيورُ ترفرفُ فرحةً لأنها ستعلنُ للفزاعةِ أنها قَد أصبحت فردًا من العائلةِ، ولكِنْ؛ سُرعانَ ما تلاشَى فرحُها حين وصلتْ إلى الحقل، لا أثرَ للفَزّاعة!، لم تجدها، لم تجِد سوى ذلكَ العمود الخشبيِّ، وبعضًا من القُطن المتناثرِ في أنحاءِ الحقل! فِي ذاكَ المَساء، عادتِ الطيورُ إلى أَوكارِها جائعةً حزينةً على فراقِ صديقتِها الفَزّاعةِ الوَدودة

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0