نسيان

أحمد السعدي

أحمد السعدي

كان ينظفه بعناية، يصب المياه الدافئة، يرفع يديه، ينظف إبطيه بالصابون، يضع الشامبو على شعره، ويصب المياه ثانيةً.. الماء يتطاير نحوه، ما أن تمضي لحظات بسيطة حتى تمتصها الأقمشة الفاخرة

أفرغ المياه المليئة بالرغوة وجعلها تسري عبر الأنابيب، وملأ حوض الاستحمام مرة أخرى، وضع معطر برائحة الياسمين، ولمّا انتهى. أجلسه على الكرسي المتحرك، وأمسك بالثياب النظيفة وبدأ يلبسه إياها

ارفع قدمك، قدمك! ارفعها... -
لم يفعل، فقام بنفسه بفعل ذلك، وألبسه السروال الداخلي
(أنين خفيف) -
ارفع قدميك.. هيا... لم يفعل كذلك وكأنما يفكر بشيء -
 رفعهما بنفسه وأقامه على كتفه، وألبسه البنطال
(أنين) -
ماذا هناك؟ -
(أشار بيده نحو شيء) -
تلك الصورة؟ -
(إيماء بالقبول) -
تلك أمي. هل تعرفها؟ وابتسم بهدوء -
تبدو طيبة وجميلة، كأني أعرفها -
كيف تعرفها؟ -
أشعر حين أراها بالراحة وقلبي يخفق بقوة، الوجه -
 هذا أعرفه لكن لا أستطيع تمييزه. أين هي الآن؟
بجوار ربها -
منذ متى؟ -
من سبع سنوات -
(تنهد) -

أطرق الرجل رأسه. ثم ما إن قطع حبل الصمت بسؤاله: لماذا كنت تصرخ على تلك المرأة قبل قليل؟
 
(تغيرت تعابير وجهه للغضب) -
أعني، إنها جميلة وممشوقة القوام ويبدو كأنها -
توبخك على شيء ما... نسيت... وأنزل رأسه

هاتفٌ يرن، أجاب الرجل عليه، ثم ما ان تغيرت نبرة صوته وصرخ في الهاتف بحنق وغضب: قلت لكِ أنتِ طالق! طالق! لا تخدمينه ولا تدارين شيئًا! ليتني ما تزوجتك! وأغلق الاتصال. أمسك برأسه وتنهد بعمق شديد، العبء الذي يحمله كبير

من هؤلاء؟ كان يؤشر بإصبعه على خلفية الهاتف -
تفضل. وقام ليريه صورة الخلفية -
من هذه المرأة؟ تشبه الصورة المعلقة أمامنا -
إنها أمي! وزال حنقه وضحك عاليًا مردفًا: حين كانت -
 صغيرة، كنا في السيرك، كان يومًا سعيدًا حسبما أذك 

ثم أشار الرجل بإصبعه نحو الفتى الموجود بالصورة، وسأل العجوز: هذا، هل تعرف من يكون؟

 لا -
(تفكير طويل)

كان الرجل يعرف الجواب مسبقًا، فالعجوز القابع أمامه ينسى ما حدث معه قبل دقائق معدودة، كالذبابة، تنسى كل شيء

هيا بنا. ودفع الكرسي المتحرك متجهًا للخارج -
 (أنين مسموع) -
ماذا هناك؟ ونزل ليرى ماذا -
 حدث، ثم أردف: أرفع قدميك للمساند، أنت تعيق الكرسي عن الحركة
أعرفه -
من؟ -
الذي في الصورة -
 (تعجب كبير) -
أعرفه! أسمه يبدأ بحرف السين او ألف -
أحسنت -
سا.. سا... آخ.. -
(حك رأسه)
 وأردف: نسيت

شعور بالخيبة يعتريه، انطفأت الشرارة، وقال لنفسه: كنت أعرف، لن يقدر. ثم ما لبث أن أعاد الرجل العجوز في المحاولة: سا... سا.. سماح؟ سامح! نعم! أنت سامح

وانفتحت عينا سامح على اتساعهما، شفتاه تبتعدان، وتلمع عينيه، الدموع تنهمر، هتف فرحًا: نعم أنا سامح! أنا سامح! هل تعرفه؟ عرفتني؟

وكيف لا أعرف إبني؟

وأخرج سامح تنهيدة عميقة أتبعها بصرخة فرح، قبّل رأس والده، وحضنه طويلًا وهتف فرحًا: نعم أنا سامح يا أبي! أنا سامح، مسح دموعه ونظر لوالده في لهفه

 سأل الأب: هل تعرف إبني سامح؟

شعور بالصدمة يعتري سامح الابن، تتسع حدقتيه، يشعر بحرارة في قدميه، ينظر للأسفل، فعلها ثانية! لقد نسي والده أن يخبره بحاجته للتبول، وبلل سراويله! المسكين
 
 
 

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0