وجوه ملونة أو رمادية

ختام برغود

ختام برغود

عبرت هذا الشارع أكثر من ألف مرة؛ فأنا أسلُكه ذهابًا وإيابًا كل يوم في طريقي إلى العمل وأنا متأكدة من أن هذا المبنى لم يكن هنا. لم أره صباحًا عند مغادرتي للمنزل، ولم أره قبل ذلك. تساءلت ماذا يوجد داخله، وقادني فضولي للدخول. بعد ما عبرت أول بوابة رأيت لافتة مكتوب عليها "وجوه ملونة أو رمادية"، وطريق واحد أجبرني للانعطاف يمينًا. سرت بضع خطوات فرأيت بابًا كتب عليه
 "ملونٌ أو رمادي، ما الفرق؟... الكلُ بعيد"
 
أثارت تلك الكلمات فضولي واندفاعي للدخول عوضًا عن التوجس، فدخلت القاعة وبدأت استكشف مكنوناتها
 
كان المكان مليء باللوحات المعروضة، ووجدتني أتوقف عند لوحة لوجه إنسان بعيون مطموسة وشعر كأغصان الزيتون، وأنف مسّبل كحبة فستق، وشفتان مكنوزتان ككرزتين حمراوين. خداها مخطوفي اللون، ومليئان بالشروخ، يحيط الوجه دوامات متفرقة منها ملون ومنها باهت. كان النظر لهما كافي لجعلي أشعر بالغثيان. حاولت أن أحول نظري عنها، ولكني وجدتني أغرق في تفاصيلها وابتعلتني الدوامات وقذفتني أفكاري للماضي، لمئذنة الجامع الكبير المنحنية والمنازل الحجرية أسفلها، للشرفات الصغيرة التي تتدلى منها ملابس لم ترفع منذ رحل أصحابها عنها
 
شعرت بوخزة عميقة في قلبي، لم أزر إدلب يومًا، لكنني عرفتها. عرفتها في عيون من غادروا وبقي الحنين ينمو داخلهم. عرفتها في روايات أمي عن بساتين الزيتون هناك، عرفتها في روايات من غادروها حديثا، وفي حديث من غادروها سابقا
 
اجتاحتني رغبة عارمة في لمس تلك الصورة لأن أتحسس غصن الزيتون الكبير النامي، ولكن فاجأتني برودة قماش اللوحة المدهونة، كانت إدلب حاضرة، وغائبة
 
سرت بعيدًا عن اللوحة محاولة الهرب من كل تلك الأفكار التي بدأت تطاردني
 
اللوحة التالية التي لفتت نظري كانت لوجه عروس، وجه مزين بأبهى الألوان والحلل يغمره البياض، ترتدي طرحةً بيضاء. اللوحة متألقة وكأنها احتفال بالحياة. أخذني جمال الوجه الذي اكتسى حُمرة التفاح الناضج، وتلك العينان اللتان يغطيهما بريق عاصف. وقفت أمامها متأملة جمال ذاك الوجه الملائكي، ولكن تمعني فيها ملئني ريبة، ثمة شيء غريب بها، هناك شيء مخبأ تحت طبقات الألوان
 
اقتربت أكثر. وجهها في الأصل ليس أبيضا كما ظننت، بل شاحبا مائلا للزرقة، بدت لي وكأنها تختنق تحت ذاك النقاء المصطنع. وجنتاها ليستا حمراوين بنضارة العرائس، بل كأنهما تلطختا بجرح ذكرى قديم، بينما عيناها اللتان خيلتا لي أنهما تلمعان سعادة في البداية تبين لي أنهما تموجان كبحر هائج في ليلة عاصفة. لم أعد أرى عروسًا، بل امرأة شاخت قبل أوانها، وجه التهمه الأسى قبل أن تصل للفرح
 
لم يطل وجهها خراب كباقي اللوحات ويخيل للعابرين بها لأول وهلة بأنها فتاةٌ مدلل ومحمية بعيدة عن المآسي. لكنني أعرف. رأيت كيف تم احتضانها بيد وطعنها الأخرى. ما من زاوية من زواياها إلا وخلقت به أوجاع. ملئ قلبها رعبا. الدمار هنا ليس واضحا كباقي اللوحات لم يكن أنقاضا، بل كان أعمق متغلغلًا في الجدران التي بقيت واقفة وبسكانها الذين انحنت ظهورهم في تعلم كيف يخفون الخوف بابتسامة صامتة
 
نظرت للعروس مرة أخرى، كانت تبتسم... أو بالأصح كانت شفتاها ترتجفان
 
لم أعد قادرة على رؤية المزيد من اللوحات التي لم تزدني إلا كدرا... لملمت نفسي وغادرت المبنى دون أن أدري إلى أين

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0