المغامر

نورة أحمد السويدي

نورة أحمد السويدي

كان رياضيَّاً ماهراً، ذو روحٍ تحبُّ الإثارة، والتَّشويق، والمُغامرة
 
لم يترك نوعاً من الرياضات المُثيرة إلا وجرَّبها، حتى بدت الأرضُ بسطحها وجبالها وجوفِها وهواؤها رَهنَ يديه
 
ولم يكد ينتهي من مغامرةٍ حتى يبدأ غيرها
 
احترف صعود الجبال، والتَّزحلق على الجليد، والهبوط المظلي، وركوب الأمواج، والغوص في قاع البحار
 
وعندما شَبِعَ من هذا كلِّه، قرَّر أنَّه آن أوان مغامرةٍ جديدةٍ فريدة
 
محمَّلاً بعدَّته من التَّصوير الاحترافي، وبحسابٍ على السوشيال ميديا ذو قاعدةٍ جماهيريَّةٍ عريضة، قرَّر أنَّه آن أوان تجريب رياضةٍ جديدةٍ حديثة السُّمعة والصيت
 
!!اكتشاف الكهوف الضيقة
 
لكن ليست أيَّة كهوف، فهو لا شأن له بالكهوف المعروفة والمفتوحة للزُّوار والسُّياح، ولا الكهوف التي هي معلنٌ عنها رسميَّاً أنها آمنةٌ لمحترفي الاستكشاف أو الغوص في قاع البحار
 
ولا الكهوف الواسعة الرَّحبة والتي تمَّت رصدها ودراستها والفراغ منها
 
ولم يكن باحثاً، ولم يكن مدعوماً بفريقٍ علميٍّ، بل كان فقط رياضيَّاً مُحترفاً لا يسعى سوى للشِّعور بالبهجة من مغامراته المُثيرة الخطيرة، والتي يشعر فيها دائماً بأنَّه قد خَدَعَ الموت بطريقةٍ ما
 
إنَّه بحاجةٍ لأن يُثبتَ للآخرين فرديَّته وتميُّزه المُطلَق
 
تتطلَّب الرياضة الجديدة روحاً قويَّةً جبَّارة، لا تعرف الخوف، ولا تخشى الموت... ثمَّ ما هو الموت؟! الموت للجبناء، ولعديمي الخبرة، ولذوي القلوب الرعديدة، أما هو، فمغامرٌ استثنائيٌّ لم يُنجِبِ الزمانُ مثله
 
وكان على شاكِلتِهِ مجموعةٌ من أصدقائه الذين لا يشبعون من حبِّ المغامرة ولا روح الإثارة والتشويق، فانضمُّوا لرحلته الجديدة
 
:حذَّره بعض العقلاء من أهله وأصدقائه، ومدرِّبيه الرياضيين، قالوا له كثيراً
أنت أحسنت تدريب جسدك، وقليلٌ"
"مثلك في براعتك، لكن لا عقل لك...
 
فضحك منهم ساخراً، وانطلق لمغامرته المُثيرة: "اكتشاف الكهوف الضيقة التي لا تكفي حتى للأرانب، الغير مستكشفة، والغير معلومٍ امتدادها ولا حتى إن كان لها مخارج، بل سيكون هو الرَّائد في اقتحام هذه الأخاديد، ويا سلام على عدد الإعجابات التي سيحصل عليها من الجماهير!!" أخدوداً بعد أخدود، زحف الشَّاب النَّحيل في تلك الأماكن الضيِّقة المرعبة، والتي لا يمكن أن يدخلها سوى خفاش، أو الحشرات على أحسن تقدير، وبالنسبة إلى البشر، فهي تصلح للكاميرات الحديثة الدقيقة، التي يتم إنزالها عن طريق الحبال والأسلاك
 
:وفي إحدى المرات، وقع الشاب في شرِّ غبائه حينما علق قفصه الصدري في إحدى تلك الشقوق، صرخ في المايك في هلع
 "ساعدوني... لقد علقت...!!"
 
:وهنا صاح أصدقاؤه في خطر
 لقد توغَّلت عميقاً، حاول أن تزحف"
 "إلى الوراء، لا نملك مُعدَّاتٍ لسحبك..!!
 
وفي حقيقة الأمر، لا توجد أيَّة مُعِدَّاتٍ على وجه الأرض يمكنها أن تسحب أيَّ مغامرٍ من هذا الوضع
 
وما هي إلا دقائق وتحوَّلت صرخات الشاب الفَزِعَة وشهقاته الباكية إلى الصمتِ الرَّهيب
 
بكى أصدقاؤه الذين حفَّزوه وشجَّعوه على هذه الحماقة وبكوا، ولم تكن هناك طريقةٌ لاسترداده، فصارت مغامرته هي قبره
 
:ودَّعوه باكين، ورحلوا عنه، وتحوَّلت قصَّته إلى
 انظر!! نهاية مُفجعة"
 "لأحد مستكشفي الكهوف...!!
 
قال الله تعالى في سورة البقرة، الآية 195
 "ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة"
 
وكم من شابٍّ أحسن بناء جسده، وغفل عن تربية عقله

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0