قصة قصيرة
2 min
قصة قصيرة
أروى الغانم
لم يكن يعلم طالب طبّ السنة الأخيرة ما كان ينتظرُه في قطار السادسة مساءً المتجه إلى وسط المدينة بعد يومٍ مرهق ما بين الجامعة ومستشفى التدريب الميداني ؛ قفز داخل المقصورة المكتظة بالرُّكاب وبالكاد وجد ليده مكانا ممسكا بالعمود المعدني المنتصب في الوسط خشية السقوط ليطبع بصمته عليه بجانب عشرات البصمات التي تحكي هموما وآمالًا لأشخاص مروا من هنا .. يبدو أنها حكايات لا تزول بالتقادم بل تسري فينا تِباعًا وتنتقلُ من يدٍ إلى يدٍ إلى قلب
وضع حقيبته جانبا لثواني ليثبّت وقفتهُ جيدًا قبل انطلاق القطار ، وهنا تلك اللطيفة التي تُخبئ عينيها مساءً خلف نظارةٍ سوداء لتُخفي آثار نوبة بكاءٍ على ما يبدو ! ثم دَسّتْ أوراقًا بيدها في الحقيبة واستعدّ الجميعُ للإنطلاق .. كانت جذابةً بما يكفي دون حاجة لإظهار عيونها ، وكأنك ترى انغماسَ الشّمس في خديها ، أما هو فقد نحّى كل الخطوط الحمراء جانبًا واسترسل في تأمُّلها ؛ حتى الندبة شديدة الإحمرار التي كانت تتوهّج على يدها انطبعتْ في ذاكرتهِ
عند منتصفِ الليل أخذَ يرتب أغراضه استعدادًا لغدٍ جديد حتى اللحظة التي وجدَ فيها تلك الأوراق التي دُسّت في حقيبته .. وكأنّ عقارب الساعة غدرتْ به وتوقف الزّمن .. وأخذَ يقرأ
إلى من ابتسمَتْ الشهورُ في مُحيّاه
ما إنْ رأيتُ البدرَ في تلك الليلة من ليالي ديسمبر حتى اجتاحَني مَدٌّ من الذكريات أغرقني في دوامةٍ كسمكةٍ ذهبيةٍ صغيرة ، لقد كانت نظرةً خاطفةً غير مقصودةٍ عادَ تأثيرُها كتعويذةٍ ألقتها عليَّ رمالُ الشاطئ ، فحوّلتْ زعانفي إلى ريشة ألوان ، واستبدلتْ رئتيّ بأوتار تعزفُ ألحانًا تصلُ إليكَ حيث تَستلقي على رمل الأمنيات البارد .. لكنّني كنتُ لا أقوى على التنفس كنتُ مجرّد سمكةٍ ذهبية صغيرة وكنتَ أنتَ مَرساتي الثقيلة التي تمنعُني من الإبحار
عزيزي إنّ حنيني إليكَ كبئرٍ غاضَ ماؤه ، فإنْ كان قلبكَ أسفله فمُدّ للوصلِ حبلًا ، فالمسافاتُ عندي تقاس باللّهفة لا بالأمتار
مع خالص تحياتي ..وإلى رسالة لاحقة
الرسالة التالية.....
الرسالة التي تليها.....
لحظتها تكبَّلَ قلبَه بسلاسل من شوق ، فهل ستحلقُ به المشاعرُ في أسراب الوهم ؟!! وهل سحر الحروف قوي لدرجةٍ يأسر بها روحَ إنسان في قفص من ذهب ؟! أم هو العطش الفطريّ لما هو أقوى من الحقيقة .. إنه الأمل .. أو لربما الخيال
ومرّت السنوات ولم يحدث سوى ظهور بعض الشيب الذي منحهُ هيبةَ طبيب
وكان كلما هاجتْ خواطرُه وماجت به الأفكار جلس في الحديقة العامة المقابلة لمحطة القطار ليتنفس .. يومها لم يجدْ غير مكان بجانب سيدةٍ تُراقب ابنها الصغير ؛ كانت كأنّ الشمس تنغمسُ في خديها ، وعلى يدها تتوهجُ ندبةٌ حمراء ، وكانت قد وضعتْ ذاتَ مساء أوراقًا في حقيبة أحدِهم عن طريق الخطأ
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection