الهبوط لأعلى

محمد يوسف العركي

محمد يوسف العركي

حاول كوشنر مقاومة الفكرة كثيرًا، لكن قواه بدأت تضعف شيئًا فشيئًا، كان يظن أن المال هو مفتاح السعادة، فتحولت حياته لجحيم أفضى به إلى أن يظل في شقة صغيرة من هذه البناية القديمة المتهالكة
 
فمن بعد حياةٍ في هجير الفقر وكد السنوات ثم تكوين ثروةٍ لا بأس بها، جاءه أصدقاء السوء، فدفعوا به رويدًا رويدًا نحو صالات القمار ليخسر بيته الفسيح الذي لم يهنأ به، وماله الذي لم يتمتع به
كان صدره يضيق ويحس بالعتمة، وظل يحادث نفسه: حتى متى هذا العناء؟ وهل هناك حياة في عالم آخر يمكن أن تجعلني سعيدًا؟ وهل طريق ذهابي إليها بالانتحار يمكن أن يكون مقبولًا هناك؟
 
ركب المصعد العتيق وتفرس الوجوه التي طالما رافقها في مواقيت مختلفة، وهمَّ هذه المرة أن يسألهم: هل أنتم سعداء؟ بيد أنه طرد الفكرة سريعًا
 أسرع إلى شقته وقام بترتيبها على نحو لم يفعله مؤخرًا، وأوقد شمعات طواهن النسيان وبحث عن جهاز الكاسيت العتيق ليدير مفتاح التشغيل على مقطوعة ذكرته بمحبوبته التي فارقها حينما أحس ببرد المال يسري فيه، وكيف صور له عقله حينها أنها صارت لا تناسبه.. فكيف يمكن لابنة عامل محطة البترول أن تكون زوجة للثري المرتقب؟
 
 شعر كوشنر بدوار بدأت وتيرته تزداد شيئًا فشيئًا، وفكرة التخلص من الحياة تملكته تمامًا، واختار أن يستخدم سلم للوصول إلى القبو، متخفياً عن الأنظار
 وبينما هو يهبط السلم الحلزوني، بدت نافذة شرفة الزوجين العجوزين في الطابق السفلي كشاشة سينما، يراهما جالسين متجاورين. آنية القهوة بين أيديهما، يتبادلان الضحكات.. كيف يضحكان وهما وحيدان في هذا العمر! وما يملكان من مال بالكاد يكفي قوت يومهما والعلاج المستمر! كم هي شاقة رحلة الحياة هذه
 
 يا إلهي.. هل هذا المهاجر يقرأ ويكتب! ومن أين له بكل هذه الكتب؟ لطالما ظننته يعمل في ورشة القطارات أو في المزرعة القريبة... هل السعادة عندك هي القرطاس والقلم أيها الأسمر؟ لا أذكر آخر كتاب قرأته، ربما كانت رواية مئة عام من العزلة ولم أكملها حتى
 
لا تفعلي ذلك أرجوكِ سيدتي... أعرف هذا الصوت فهو صوت العامل في مصلحة البريد مخاطباً زوجته معلمة الصف، من فضلكما أزيحا الستار قليلاً، فالرؤية غير واضحة عندي. حسنًا.. شكرًا لك أيها الصبي على فعل ذلك.. ومن الجيد أنهما لم ينتبها لفضولي.. هي إذن تريد أن تجهض قائلةً لزوجها: كيف يمكن أن نتدبر أمر طفل جديد؟! ألا يكفي هؤلاء الثلاثة؟ وأنا وأنت بالكاد نستطيع توفير الكفاف لهم
 أما أنت يا كوشنير، فلا زوجة ولا أبناء ولا كفاف. وعائلتك غير البارة كانت البنت والولد والشائب على طاولة الكوتشينة اللعينة
 
قفي.. قفي أيتها الجاذبية فقبل الوصول إلى مطار العالم الآخر دعيني أودع هذا العالم بهذا المنظر: فالنوافذ مشرعة، والريح تزيد مدى الرؤية اتساعاً، وليغفرا لي تلصصي عليهن، فثيابهن هذه على بخس ثمنها هي أغلى من طرازات الموضة الباردة الباهتة. وكم كنت أتساءل حين أرى تلك النادلة الجميلة ورفيقتها وهنّ بكل هذا النشاط والحيوية.. من أين لنساء أمريكا اللاتينية كل هذا الجمال؟! ربما وجدت جدتهن الكبرى هذا السر في إحدى الغابات فابتلعته في جوفها فصار الجمال ممتزجًا مع أرواحهن أينما حللن
 
كان حينها كوشنر قد وصل إلى باب القبو، لتسري فيه فجأةً رعشةٌ وكأن إنسانًا جديدًا قد ولد للتو، ليصرخ هاتفًا بأعلى صوته: لا أريد أن أذهب للعالم الآخر.. لا أريد أن أذهب للعالم الآخر وأنا حزين.. فربما كانت الحياة أقسى بكثير من هنا لمن أتوا بالطريق الخاطئ، أريد أن أعيش فقد علمت طريق النور الآن

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0