قصة قصيرة
2 min
على شفا وطن
دعاء محيسن
،إلى منصور
أعلم أنكَ الآن هناك، تقف تحت المطرِ الخفيف، تلقي نظرةً على بوابةِ المطارِ بقلقٍ متزايد، تراجع هاتفكَ مراراً، وتتمتمُ بعباراتٍ نصفُها سُبابٌ والنصف الآخرُ تساؤلات. أعلم أنكَ تنتظرني، تنتظر أن تراني أخرجُ من بين المسافرين، حاملاً حقيبتي الصغيرة، وجهاً مألوفاً وسط زحامِ الغرباء، لكنَّك لن تراني، منصور
لأنني لم آتِ
لأنني لن آتي
ولا أريدُ أن أعتذر، فأنا لا أملكُ اعتذاراً يُقنعك، لكنني سأحاولُ أن أشرحَ لك
1
ُقبل يومين، كنتُ في المقهى القديمِ القريبِ من منزلنا، ذاك الذي كنتُ أصفهُ لكَ بأنهُ أشبهُ بغرفةٍ ضيقةٍ تفوحُ منها رائحةُ السجائرِ والنعناعِ المخمَّر، حيثُ الطاولاتُ العتيقة تستندُ إلى الجدرانِ المُتشققة كأنها شيوخٌ أنهكتهم الحياة. كنتُ جالساً إلى طاولتنا المعتادة، أحِرّكُ ملعقتي في كوبِ الشاي، أُفكّرُ في الرحيل، فيكَ، في البلادِ الباردةِ التي تنتظرني هناك، حيثُ سيبدأ كل شيءٍ من جديد
ُقبل يومين، كنتُ في المقهى القديمِ القريبِ من منزلنا، ذاك الذي كنتُ أصفهُ لكَ بأنهُ أشبهُ بغرفةٍ ضيقةٍ تفوحُ منها رائحةُ السجائرِ والنعناعِ المخمَّر، حيثُ الطاولاتُ العتيقة تستندُ إلى الجدرانِ المُتشققة كأنها شيوخٌ أنهكتهم الحياة. كنتُ جالساً إلى طاولتنا المعتادة، أحِرّكُ ملعقتي في كوبِ الشاي، أُفكّرُ في الرحيل، فيكَ، في البلادِ الباردةِ التي تنتظرني هناك، حيثُ سيبدأ كل شيءٍ من جديد
لم يكن يجب أن يتغير شيء، كان المفترضُ أن يكونَ اليومُ عاديًا، أن أعودَ للبيتِ بعدَ شربي للشاي، أن أحزمَ حقيبتي، أن أستيقظَ صباحًا وأرحل. لكنَّ الحياةَ تخبئُ لنا دائماً لحظاتٍ صغيرةً تُغيّرُ كلَّ شيء
:كان العجوزُ صاحبُ المقهى يراقبني بصمت، ثم اقترب مني وسأل
"إلى أينَ يا ولدي؟"
ابتسمتُ، لم يكن يعرفُ عن سفري، لكنَّه رجلٌ من أولئكَ الذين يقرؤونَ الوجوهَ ككتابٍ مفتوح
"سأسافرُ إلى هناك، حيثُ منصور"
:هزَّ رأسه ببطء، وأخذَ نفساً عميقاً قبل أن يقول
تعرف يا بُني... أمضيتُ خمسينَ سنةً في هذا"
الحيّ، رأيتُ أجيالاً تكبرُ وترحل، رأيتُ الدكاكين
تُفتح وتُغلق، رأيتُ هذا الحيَّ يحترق ويعودُ للحياةِ من جديد... لكنني لم أرهُ يوماً يغادرُ
"قلبَ أحدٍ رحلَ عنه
:صمَتُّ. لم أعرفْ بمَ أردُّ عليه، لكنه أكملَ
ٍالوطن يا بُني ليسَ مجردَ بيتٍ أو شارعٍ"
أو سوق... هو يدُ أُمّ توقظك للفجر، هوَ صوتُ المؤذّنِ الذي اعتدتَ سماعه، هو رائحة الخبزِ
عند الفجر، وهو تلك الدكاكينُ التي تعبّرها كل يومٍ دون أن تلتفتَ إليها... إن كنتَ
"قادراً على حملِ كلِّ هذا معكَ... فارحل
ثم تركني ومضى، وبقيتُ أحدقُ في كوبِ الشايِ الذي بردَ تماماً، فيما برد شيءٌ آخرُ في صدري
2
في المساءِ، خرجتُ أمشي في الشوارعِ التي مشيتُها ألفَ مرة، لكنَّها بدت لي غريبةً كأنني أراها للمرةِ الأولى. رأيتُ الجدرانَ المغطاةَ بالخربشاتِ كما لو كانت شواهد لقصصٍ منسيَّة، رأيتُ الأشجارَ الممتدةَ فوق الأرصفةِ كأنَّها أيدٍ تلوّحُ لي بالبقاء، رأيتُ الأطفالَ يركضونَ في الزوايا الضيقةِ بأصواتٍ ملائكيةٍ لم أسمعها من قبل، رغم أنني كنتُ أسمعُها كلّ يوم
في المساءِ، خرجتُ أمشي في الشوارعِ التي مشيتُها ألفَ مرة، لكنَّها بدت لي غريبةً كأنني أراها للمرةِ الأولى. رأيتُ الجدرانَ المغطاةَ بالخربشاتِ كما لو كانت شواهد لقصصٍ منسيَّة، رأيتُ الأشجارَ الممتدةَ فوق الأرصفةِ كأنَّها أيدٍ تلوّحُ لي بالبقاء، رأيتُ الأطفالَ يركضونَ في الزوايا الضيقةِ بأصواتٍ ملائكيةٍ لم أسمعها من قبل، رغم أنني كنتُ أسمعُها كلّ يوم
كيف كنتُ أعيشُ هنا، دونَ أن أرى كلَّ هذا الجمال؟ كيف كنتُ أعدُّ هذا المكان قفصاً، بينما كان يمدُّ لي جناحيه؟
3
في الليلةِ الأخيرة، فتحتُ حقيبتي، نظرتُ إلى الملابس المطويَّة، إلى جوازِ السفر، إلى التذكرةِ الموضوعةِ بعنايةٍ فوقَ كلِّ شيء. ثمَّ أخرجتُ التذكرة، أمسكتُها بيدي لبرهة، ثم مزّقتها بهدوء
في الليلةِ الأخيرة، فتحتُ حقيبتي، نظرتُ إلى الملابس المطويَّة، إلى جوازِ السفر، إلى التذكرةِ الموضوعةِ بعنايةٍ فوقَ كلِّ شيء. ثمَّ أخرجتُ التذكرة، أمسكتُها بيدي لبرهة، ثم مزّقتها بهدوء
أتعرفُ ما الغريبُ في الأمر؟ لم أشعرْ بندم
بل شعرتُ بأنني، ولأولِ مرة، أتنفَّس
4
منصور، لا تنتظرني
ِالوطنُ ليسَ مجردَ مكانٍ نعيشُ فيه، بل هو المكانُ الذي يعيشُ فينا، وأدركتُ الآنَ أنني لا أريدُ أن أكونَ في أيّ مكانٍ آخر
لكن ماذا عنك أنتَ... متى ستعود؟
الوطنُ ينتظرُكَ، منصور
وأنا أيضاً
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection