قصة قصيرة
2 min
عن الإلهام
سكينة أيت حمو
أراني اليوم وغدا وبعد غد وقبل أمس والشهر الماضي بنفس الانعكاس، لكن في الأسبوع القادم، يوم الإثنين، على الساعة العاشرة مساء بتوقيت غرينتش، بدوت مختلفة
من المرجح أن هناك خطبا ما في المرآة، لباسي لم يتغير، نفس الكنزات، نفس الجينزات، ونفس الإكسسوارات، أما الزينة، فإنني نادرا ما ألون وجهي بها، أحيانا أضع مرطب شفاه، وأحيانا أجود على رموشي ببعض الكحل، لكن عموما لا أفاجئ مرآتي بتغيير جذري إلا من حالات زفاف نادرة لم يعد يجود بها الزمان، بالمناسبة هل قلت نسبة الزيجات وارتفع منسوب العزوف؟ أم أن الأعراس لم تعد في الموضة؟ على أي، هذا موضوع ليوم آخر
المهم، بعد تجيز نفسي، غسل أسناني، أداء صلاة الصبح، والركض يسرة ويمنة بحثا عن زوج من الجوارب، شرب كوب من الماء، مشاهدة الشمس، أو تمديد عضلات الظهر، أتمهل لأنظر للساعة، نعم متأخرة مجددا، لا ضير إذن من فطور سريع
أمضي للعمل، أستقل القطار، أنزل في المحطة، أغير المحطة، أستقل القطار، أنزل من القطار، أغادر المحطة، أتمشى لعشر دقائق وخمس وثلاثين ثانية وجزأين من المائة - لم أتحقق من الوقت لكنني متأكدي أنني لو فعلت، لكانت هذه هي المدة التي استغرقتها بدقة - المهم، أصل إلى مكان العمل، أفتش عن بطاقة الدخول، لا أجدها، أنسل بين البوابات، أستقل المصعد، أصل إلى المكتب، أبصم على وقت دخولي، الآن يومي أصبح فعليا ملكا للشركة، أحيي الزملاء، أتوجه للمكتب، وأبدأ العمل
وبما أن يومي ليس لي، لن أخبركم عما يحدث فيه، إنه سر مهني
أعود للبيت، بنفس الترتيب، أم أنه بالعكس، لا عليكم، المهم هو العودة. ماذا تبقى الآن؟
نعم، بعض من الإلهام... الملهم في هذا اليوم أنه مر، أنني لازلت حية، نباتاتي لازالت تصارع للعيش، والداي بخير، الفضائيون لم يستطيعوا غزو الأرض بعد، الكتب لم تندثر، والمشي أصبح يعتبر رياضة
!لا، ليس كافيا
الملهم هذا اليوم أن الشروق كان جميلا، الشمس تحدت الغيوم الرمادية وخرجت من لحافها تعلن للعالم أنها لن ترضى بغطاء لا يناسبها، بل ستعلن نفسها بكل الصفرة - أو على الأقل هذا الطيف الممكن رؤيته بالعين المجردة - مثبتة للجميع أن الصباح آت لا محالة، مهما طالت ليالي الظلام واشتدت حلكة الامتحانات، لابد للنور أن يسود، يعود، وينقشع معه كل الغموض
قافية رائعة، لابد أنني أتحول تدريجيا إلى شاعرة، ربما هذه فترة طفرتي من شبه كاتبة لشاعرة مخضرمة على غرار غريغور سامسا، لكن بنهاية سعيدة
ربما لا علاقة للشمس بالإلهام أصلا، لابد من درس آخر وأقوى
الملهم في هذا اليوم أنني لازلت أتنفس، أعلم أن الزكام وكل أيام العطاس وارتفاع درجات الحرارة تجعلان الأمر أشبه بالمستحيل، لكنني اليوم تنفست بأريحية، مؤسف أن المدينة تفتقر للمناطق الخضراء وظل أشجار البرتقال كي أثبت قدراتي الأنفية على التقاط رائحة براعم الياسمين، لكني قادرة على شمها بمجرد التفكير فيها، أليس هذا ملهما؟
ماذا عن القطار؟ حركته الدؤوبة، تركيزه على الوجهة، من المحطة أ إلى المحطة ياء، بنفس النسق ونفس السرعة ونفس الإصرار الميكانيكي. قد يحدث عطل هنا أو هناك، لكنه مستمر، يحمل وجوهاً مختلفة كل يوم، سلال من الأحلام والآمال والآلام، أقدام كثيرة تعبره كأنه جسر لا نهائي في رحلات متفرقة، لكنه موجود، كل يوم، على نفس الموعد، مع بعض التأخيرات الطفيفة، ورغم كل هذا، فلا بأس
لازلت أرفع رأسي للسماء، أتأمل الغيوم وأتخيل ملمسها، أركب القطار، أنتقد كثيرا، أصلح القليل جدا، أخطئ أحيانا، أصيب أحيانا، أضحك بصوت عال، أقرأ من فترة إلى أخرى رغم كوني من مثقفي البلد، في خيالي على الأقل، لحظة... ربما هذا هو الإلهام
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection