أحلام على الرصيف

محمد زكي عيادة

محمد زكي عيادة

في ذلك الزقاق الهَرِم كانت ثمّة حياة أخرى، رائحة العوز والحاجة تفوح من ملامح البشر وزوايا المكان

يخرج (قاسم) باكرًا، يمشي مسافة طويلة حتى يصل إلى مكان عمله في المدينة؛ حيث صخب الحياة، وضجيج السّيارات، ورائحة اللحم المشوي
 
يتناول الصّندوق الخشبيّ من يد صاحب المحلّ، يرتّب ما فيه من خواتم وسبحات ملوَّنة، ثم يُعلّقه في عنقه الأسمر الذي خطّ فيه الحبل أثره الدّاكن مرات عدّة
 
يمضي قاسم في شوارع المدينة بصندوقه المزركش وصوته النّدي، يلتقط رزقه من المارّة
 
في ذلك الصّباح تعاظم الخوف في قلبه، راح يستعجل خطواته نحو المحل؛ فقد تأخّر في الطّريق مرّتين؛ في الأولى، كان ثمة شجار بين فتَيين، كلٌ منهما يريد الرصيف ليبسط الكتب، ويبيع شيئاً منها قبل قدوم الدّورية، كان عراكًا حاميًا بقي الناس مستمتعين بالمشاهدة حتى وصول الشّرطة، التي اعتقلت الفتَيين وصادرت الكتب، وتأخّر ثانية بسبب موكب أحد المسؤولين، أدّى إلى شلّ الحركة زمنًا، فلا ينبغي للمسؤول أن تتعرّض حياته للخطر، أو تتلوّث عيناه برؤية النّاس في الشّوارع العامّة
 
وصل قاسم إلى المحلّ لاهثًا، حمل صندوقه، خرج مسرعًا ليتجنّب اللّوم والتّقريع، قصد زاويته، كان أوّل من وصل من الباعة، ثبّت قدّميه على الأرض، رفع الصندوق قليلاً ليغيّر مكان مرور الحبل حول عنقه، شرع ينادي
"سبحات بهية، خواتم سحرية، هدايا للأحباب"
وبينما تلاحق عيناه المارّة مستجدية الاقتراب، وقفت أمامه سيدّة بملامح هادئة، تأمّلته، تمعّنت في هيئته
ما اسمك يا فتى؟ -
 قاسم -
كم عمرك يا قاسم؟ -
 عشر سنوات -
 
تناولت قلمًا من حقيبتها الجلديّة، كتبت شيئًا ما، أعطته الورقة، ثم مضت
"ليتني أعرف القراءة"
 قالها قاسم في سِرّه، ألقى الورقة في الصّندوق، ثم ترك المكان قاصدًا زاويةً أخرى لعلّها تكون أوفر حظًا

شرع يُعدّل الصندوق وهو يقول في نفسه
"ليتها أعطتني دولاراً واحداً بدل هذه الورقة البالية"
 
عاد من عمله آخر النهار، سلّم الصّندوق والغلَّة لصاحب المحل، الذي بالكاد أعاد له شيئاً من المال وهو يُسمعه كلماته المعتادة
 
في اليوم التّالي، توجّه إلى صندوقه، لكن صوت صاحب المحلّ كان مدوياً
 توقّف يا ولد، أريدك في أمر، ما - 
شأنُ هذه الرسالة؟
 آه، نعم، أعطتني إياها سيدة غريبة أمس -
 حسنًا، امضِ الآن، وريثما تعود - 
سيكون لي معك شأن آخر
مضى قاسم إلى عمله والأسئلة تتزاحم في رأسه، وفي آخر النهار عاد يخطو بحذر وخوف نحو صاحب المحل، الذي كان بانتظاره
ضع الصندوق من يدك يا ولد، وتعال -
حاضر -
هات غلّة اليوم أولاً، ثم أخبرني عن - 
حقيقة المرأة دون لفّ ولا دوران
تفضّل سيدي، هذا ما كسبته اليوم، ولكن -
 المرأة – كما قلت لك – لا أعرفها
لا تعرفها؟ بحسب الأخبار، ربما - 
هي رئيسة الحكومة! لقد كتبت
 لك: "استلمتُ منصبي أمس، وأعدك أن - أُخلّصك من هذا الصندوق قريباً" أنت بلا شك تعرفها
 :تَبسّم قاسم -
اطمئن سيدي، نحن لا نعرف أناسً بهذه الصفات، لمعت عيناه وهو يتمتم: ستخلصني من الصندوق! أخشى أن تصادره، أو تعتقلني معه
 
عاد قاسم إلى بيته، وسعادته بما يحمل من أشياء لأسرته قد أنسته تعبه وأمر الرسالة! دخل وفي يده علبة دواء لأمه، وقطعة حلوى لأخته الصغيرة
 
استقبلته أمه بصوتها الحنون
"حمداً لله على سلامتك بُني، سامحنا على تعبك"
بدأ يتفقد المكان، وزيت الفانوس قبل أن يحل الظلام، صوت دافئ تناهى لسمعه المنهك
لا تحزن بُني، إن رأوك الشخص"
 "الأخير، فأنت هنا الرجل الأول في بيتك

ازداد نور تلك الليلة، غفا قاسم وعيناه الواسعتان تلاعبان ضوء النجوم وهي تظهر وتختفي من ثقوب الخيمة

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0