قصة قصيرة
2 min
لم أعد طفلة
نادية العتيبي
ظلّ عملاق ضخم يقترب منها رويداً رويداً، ينتزعها من فراشها ويرميها تحت دوش الاستحمام البارد، تشهق بأعلى صوتها وتسري رجفة في أنحاء جسدها الصغير العاري تماماً من أي قطعة قماش، تصطك أسنانها سوياً وتخرج من شفاتها أصوات متقطعة بكلمة ي... مم..ه
تنفرج نصف ابتسامة على ثغر أمها، عيناها تشتعلان غضباً، شعرها منكوش ورائحة عرقها يصيبها بالدّوار، لم تشرق الشمس بعد ولم يصل باص المدرسة ولم يخرج أبيها من الغرفة المجاورة بزيه العسكري يقبل وجنتيها ويمسد شعرها هامساً بلطف "لؤلؤة دلوعة أبوها"، تشتد برودة الماء وتحاول أن تضع رجلها اليمنى خارج حواف تلك المساحة المربعة الضيقة، مساحة العذاب اليومي التي لا يُنقذها منه سوى أختها هنادي تلك المشاكسة التي لا يُجاوز حجمها علقة الأصبع
لا تخشى أحداً حتى والدتها ففي كل مرة تسمع قفل باب الحمام يدار تقفز من على سريرها إلى أبيها "أمي خذت لؤلؤة لازم تسوي شيء" يأتي عاقداً حاجبيه وزام شفتيه، يرفع كتفّيه إلى أعلى مدعياً الغضب؛ تُدير له بالاً أوقات وأوقات أخرى تتجاهله كأنه لم يكن، تهز رأسها هنادي بخيبة ونظراتها تحكي ما بداخلها "إلى متى ستظل جباناً؟" يحملها إليه متودداً
تدير وجهها عنه يهمس في أذنها "يا يبه الحياة ليست سبيستون" ولن تكون أبداً داي الشجاع؛ تغمض لؤلؤة عيناها بشدة والشامبو يتسرب من بين خصال شعرها الطويل، شعرها الأسود بلون الفحم التي أحبته وكرهته في آن فهي تذكر جيداً يومهم الأول في المدرسة وسخرية البنات من شعرها المنكوش الغير مسرح كما لو أنها ساحرة
تراجعت حتى وصلت إلى الزاوية الصغيرة في الفصل وهم يشيرون إليها ويضحكون عليها بصوت عال، تدخل هنادي مسرعة بين الجموع وتجر شعر إحدى البنات فيخاف البقية ويتراجعن، تأخذ أختها إلى حمام المدرسة، ليس لديها مشط ولا كريم للشعر فتنزع ربطة شعرها محاولة بكفيها الصغيرين أن تضم جميع خصلاتها معاً لكنها لم تستطع، تنظر إلى لؤلؤة وقد أغرقت عينيها بالدموع متسائلة كيف لأمّها أن تنام وتتركها تذهب إلى المدرسة دون أن تسرّح شعرها؛
مازال الماء يتدفق بين أطرافها وما زالت تشم رائحة أنفاسها النتنة، تقترب منها محدقة بها كوحش مفترس، كحيوان جريح يترقّب اللحظة الملائمة لينقضّ على فريسته، دقات قلبها تتسارع وتفكر ماذا لو غرَزَت أظافرها في لحمها كما كانت تفعل دوماً حين تفتعل هنادي مشكلة وتفر هاربة؛ لا يُنجو من أمّها أحد فقد كانوا كالفئران الصغار يبحثون عن مخرج من مصيدتها دون جدوى؛ وقبل أن ترتدي مريول المدرسة تنظر إلى جسدها في المرآة مفتشة عن الزرقة التي تحيط فخذيها، لا تفهم لما عليها الهرب والاختباء، ولماذا لم يكن أحداً قادراً على إيقاف أمّها؛ أكان قدراً أن تُخلق في هذا المكان الموحش دون أن ترى ضوء في آخر النفق، أكان قدراً أن تولد طفلة خائفة تستنجد بأختها الصغرى لتذود عنها حين يقترب شبح والدتها، أكان قدراً أن تكون أكثر بنات الفصل نباهة وذكاء دون أن تجد من يُشجّعها؛
يتوقف ماء الدوش وتسحب والدتها منشفة الاستحمام وتخرج لؤلؤة أخيراً من الحمام بعمر الأربعون عاماً وقد تغيرت ملامحها ونحل جسدها وغطي الشيب شعرها؛ ما زال مريول المدرسة ملقى على السرير لكنها كبرت على المريول وعلى المدرسة
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection