ألمُ الفقدِ

تقى النعيمي

تقى النعيمي

ضاربًا بأجنحته عرض السماء، زاد طائر البجع من سرعته، وحلق بتموج كمن يقدم عرضًا بهلوانيًا، في فعل يهدف عادة الابتعاد عن المخاطر. لكنه -وللمرة الأولى- فعلها لتخليص نفسه من رفيقه
 
أثناء هجرة البجع السنوية، تحين طائرنا الفرصة وانشق عن السرب بخفةٍ. ما لم يحسب له المنشق حسابًا كان انتباه صديقه لانشقاقه، ولحاقه به عوضًا عن إبلاغ بقية الطيور. وها هما الآن، طائران وحيدان يشقان عنان السماء
 
"!فلتعد"
:صاح المنشق المتقدم برفيقه، ليقابله عناد الآخر المعتاد
"!أرفض! بادئ ذي بدء، لم تتركنا؟"
"ليس من شأنك"
:قالها مرتفعًا في السماء، فقط ليرتفع الآخر بقربه ويصرخ
بل هو كذلك! ألست صديقك الوحيد؟! وها هي"
"...كفاءتك الوحيدة بعدما فقدنا
صمت لثواني تخللها صوت صفير الرياح، أشعلت تلك الثواني غضب المنشق فصرخ فيه
"أختي! أجل فقدنا أختي"
كره ما قاله، فكأنه عندما نطقها لسانه أقرّها مثبتًا حدوثها. انخفض بحدةٍ لامسًا سطح الماء بطرف جناحيه، فتنعكس صورته الخلابة على تلك المرآة، متبوعة بانعكاس مطابق له، في الشكل لا القناعات بالطبع، يخبره ملاحقه بألم "كان حادثاً"، ليجيبه بألم أعمق "أعلم". كان يعلم أن موتها في رحلة الهجرة السابقة كانت حادثًا لابد من وقوعه، فالمئات من الطيور تقضي نحبها كل عامٍ أثناء هذا الموسم
 
بدأ رفيقه يقترب، فزجره "ابتعد عني!". ارتعب الرفيق، لم يسبق له أن رأى صديقه هكذا. استجمع قطيرات شجاعته المتناثرة كرذاذ الماء أسفلهما ليسأله "لماذا؟! لماذا تبعدني عنك؟ ولم تركتنا؟" هدأ البجع المتقدم، وبعد صمت قصير أجاب: "لأكون وحيدًا". استنكره رفيقه "ماذا تعني! نحن بجعٌ نعيش في جماعات! فهكذا نستطيع الاستمرار بالعيش، لسنا نسوراً ذهبيةً منفردةً؛ وليس لنا من حظها نصيب، لا أجنحتنا قوية كخاصتها ولا مخالبنا حادة كمخالبهم، ما نملك إلا ريشنا الديسق١ وجمالنا الأخاذ عديما النفع. فما الذي ستستفيده من كونك وحيداً؟! ستموت فقط!". "إن حدث هذا فوالله لأكونن أسعد طائرٍ شق هذه السماء"، هكذا أراد المنشق الإجابة
 
 لكن رغبته في إنهاء الحديث أسكتته، مازال رفيقه يقترب، أصبح رأسه قريباً من جناحيه الآن؛ فتمكن من رؤية تعابيره على المرآة تحتهما، حُملت عيناه بالعديد من المشاعر بكميات متفاوتة، حزن، صدمة، استغراب، وخوف، طغى الأخير عليها جميعاً، كان خائفاً من ابتعادهما عن السرب وخائفًا من التغير المفاجئ لصديقه، والأهم، خائفاً من المجهول، من المستقبل الذي لا يعرف مكوناته، ومن الغد الذي سيحمل ما ليس له به من علم
 
بصوت لطيف هادئ لعله يطمئن قلبيهما، وفي محاولة أخيرة لإقناع صديقه بالعودة قال: "الوحدة مؤلمة، ومخيفة، لن تحبها. دعنا نعد، أرجوك". ليجيبه رفيقه بآخر ما كان يريد سماعه: "أنت محق، الوحيد يعيش في خوف دائم، وسيتضخم خوفي حتى أرتعب من ظلي. لكن، وعلى الرغم من كل هذا، فما زالت الوحدة خياراً أفضل من أن تمضي حياتك رفقة أحدهم، تشهدان الجميل والقبيح معاً، فقط لتفقده في النهاية، ثم تتذكره في كل خطوة تخطوها وفي كل خاطرة تمر في بالك، لسنا خالدين ولا آلهة. سنبقى نعيش ونذوق ألم الفقد مراراً وتكراراً، وأنا... أنا مجرد طائرٍ صغير، لا يقوى قلبه على تحمل ألم الفقد، ولا ينوي المرور به مجدداً". حالما انتهى من جملته، كان منقار رفيقه قد اقترب موازياً خاصته؛ وبحركة سريعة ضرب المنشق جناح رفيقه الأيسر مخلًا بتوازنه، ومُسقطاً إياه في الماء، ليختفي انعكاسه - وهو بذاته - من حياته
 فيرتفع المنشق مبتعداً، محطم القلب والفؤاد، فتحرق الشمس عينيه -كما أقنع نفسه- وتُسقط لآلئ من مقلتيه الجميلتين، نادبة حياته ورفيق دربه
 
١: الديسق من كل شيء: الأبيض اللامع

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0