قصة قصيرة
2 min
شايٌ وغم
تقى النعيمي
رفعت يداها كأس الشاي المُخدّر، انعكس لونه الأحمر القاتم -كما تحبه- على تجاعيد يديها، تجاعيدٌ دالة على وجودها، وعلى عيشها طوال السبعين سنة الفائتة. ارتشفت رشفة منه، سكنت هنيةً بابتسامةٍ جميلةٍ على محياها قبل أن تقول: "سلمت يداك يا حبيبي، لذيذٌ كعادته". كان ردي، ابتسامة رسمتها على محياي، ما رسمته لم يكن مقارباً لابتسامتها المشرقة على الإطلاق، رددت ابتسامتها وشكرها بابتسامةٍ جوفاء وعينٍ خالية؛ لم تكن يداي من تعبت في صنع هذا الشاي. وبهذا، فلا حق لي لقبول شكرها، كذبت عليها كالعادة وأخبرتها أنني من صنعه، فإن لم افعل لأُقيمت الدنيا ولم تُقعد، بدءاً من رفضٍ متعنتٍ لشرب الشاي متبوعاً بسجالٍ بين جدتي وصانع الشاي، والدتي
جدتي... إنها -وإن كان يصعب عليّ قولها بنفسي- لا تحب والدتي، هذه حقيقةٌ مثبتةٌ يعرفها الجميع بمن فيهم أنا. أحياناً أتساءل ما الوصف الأنسب لما تشعر به جدتي نحوها؟ كره، بغض، حسد، حقد، أم غيرة؟ تنتهي أفكاري هذه إلى النتيجة ذاتها التي وصلت إليها من قبل، مزيجٌ يجمع كل هذه المشاعر وغيرها، تختلط جميعاً مغطياً أحدها للآخر، ومنتجاً للواقع الذي أعيشه الآن، رفضٌ تامٌ لرؤيتها أمامها، إلقاءٌ لتلميحاتٍ أمام الغرباء وورائهم، تلميحاتٌ بكون والدتي "فاشلة"، لا يهم ماهي فاشلةٌ به، تنظيفاً كان أم تعليماً أم تربية، فنوع فشلها لا يهم بقدر حقيقة كونها "فاشلة" وفقاً لجدتي. كل ما ذكر سابقاً هينٌ في نظري عند مقارنته "بالذكر" الذي تردده جدتي عندما تلمح أمي من بعيد، استغفار وحوقلةٌ متكررة وشديدة، كأن القادم وحشٌ أو شيطان. يزعجني هذا الكلام ويؤلمني، لكن ليس بقدر ما يفطر قلب والدتي بالطبع؛ لطالما حاولت استرضاء جدتي، لكنها وبعد كل هذه السنين توقفت عن المحاولة، توقفت حالما استوعبت أن رضا جدتي الذي لطالما سعت إليه لن يتحقق إلا إن طلّقها والدي
فالسبب خلف كره جدتي لوالدتي بسيط، وشاع لدرجة أنه ما من أحدٍ بعد يراه خطأً، مجرد امرأةٍ خبيثةٍ لم تتزوج ابنها بل سرقته، سرقت ذلك الطفل المحبوب من بين يديها، وأنهكته بطلباتها ورغباتها -التي لم تتعدَ مستلزماتٍ منزليةٍ بسيطة-. فكأي أم، أحبت جدتي والدي ودللته، تنامى هذا الحب ليتحول إلى "تعظيمٍ" في مرحلةٍ ما؛ فابنها، هو الكون ذاته، ما يرغب به أمرٌ، وما يريده يحصل عليه بأي ثمن. بالنسبة لي، أبقى صامتاً، متلقياً للحب من أطراف الصراع الثلاثة. فأنا، حفيدٌ رائعٌ لجدتي، وابنٌ مهذب لأبي وفلذة كبدٍ لأمي، والأخيرة تعتز بي بالطبع. وأنا أثق بها وبرجاحة عقلها؛ فقد تربيت على يدها الحنونة، وأعلم ما تراه صائباً وخطأً، لذا أعلم خير العلم أنها لن تذيق زوجتي المستقبلية ما ذاقته هي وغيرها من الزوجات
أنهت جدتي كوب شايها، وحدقت بالشمس الغاربة من بعيد. أردت أن أقولها، ما فكرت به دائماً، لكم رغبت أن ينطق لساني ليسألها، لم تحبينني؟ لم تعشقين حفيدك وهو ابن تلك المرأة؟ إن كان إغداقها بحبٍ مساوي لما تغدقينني به صعباً، ماذا عن الابتسام في وجهها على الأقل؟ أو شكرها ولو لمرة واحدة؟ هي لم تسرق وليدك منك! وليدك اشتد عوده وخرج من عشك بإرادته، فعلى العكس مما ترينه، كان والدي هو من أخذ والدتي وأخرجها من عش عائلتها وليس العكس! أحبيها كما تحبينني، أرجوك فأنا لم أعد قادراً على التظاهر بعدم المعرفة، عدم معرفة سبب الحزن الذي يكتنف والدتي كلما استغفرت، أو نظرات الضيوف الغربية الموجهة لوالداتي كلما تحدثت، لم أعد أقدر على التجاهل والابتسام كما اعتدت أن أفعل، أما أطلبه بهذه الصعوبة؟
نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories
اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
Select a Story Collection