لعنة باب

سلسبيل محمود

سلسبيل محمود

بدأ الفجر يترنح، منهيًا آخر فصوله من خلال ضوء واهن استراح على وسادتي، فاستيقظت على إثره
 
نهضت متكئًا على إحدى خيباتي، أرتدي وجهي الأربعيني، وخرجت معلنًا بداية طقوسي الروتينية، إلا أن ذلك الباب الأزرق العين استوقفني. لم أستطع مقاومة رغبتي في ركله، فركلته عدة مرات، شافيًا غليلي من أشياء أجهلها. لا تزال حقيقة أصحاب هذا البيت مجهولة، هل كانوا إنسًا أم جنًا؟ لا أدري. لكنه ظل لغزًا لفترة طويلة وحكراً على روايات الجدات. وتقول الخرافة: من يمس هذا البيت تصبه لعنة كبيرة. ومنذ أن عرفت ذلك، صار ركله طقسًا يوميًا في مقاومة الضجر وسلوكًا ثوريًا للتصدي لتفاهات هذا الحي
 
انصرفتُ بعد ركل الباب لأتشبث بأول حافلة، زارعًا نفسي بين جموع الناس، منسابًا في خدر الحياة اليومية
 
،بتراتبية فرضت نفسها على مر أعوام
،ذهابًا إلى مقر الصحيفة حيث أعمل
،ووقوفًا عند متجر سعيد البقال
،التبغُ ذاتُه
واحتساء الشاي رديء النوع
،تحت شجر الصفصاف
 
ثم تشبثًا آخر بسفينة العودة، تلك الحافلة المهترئة التي تتهاوى بنا يمنة ويسرى محركين رؤوسنا كأننا دراويش في حضرة ما
 
لكن شيئًا ما كسر هذا الروتين، عندما اعتلت الحافلة سيدة، بوجه مألوف لكني لم أذكر أين رأيته، كأنك تراه في إعلانات معاهد اللغة الانجليزية، حيث كانت تفرد شعرها بحرية منسدلًا على كتفيها مما جعلها تبدو كسيدة مجتمع لا من عامة الشعب
 كانت تحمل في عاتقها آلة تشيللو على ما أظن مثقِلةً بها كاهلها، ولسبب ما، تبرعتُ بحمله ومساعدتها ربما فضولاً تجاه التشيللو او سياقًا اجتماعيًا أوجب هذا ولسبب مجهول آخر قررت أن ألعب لعبة التحليل لأعرف من أين قذفها المصير إلينا. فتقاسيم وجهها لم تعركها الحياة بعد، بل بدت لي أنها من طبقة نبيلة
 
استرسلت مع تحليلاتي فتخيلتها زوجة لي، وأن أول طفل لنا اسمه رامي، وسيكون مولعًا بالفن واللغات، وسنقضي أمسياتنا برفقة أصدقائنا في المشاتي البعيدة، وسيكون... وسيكون
 
سرحت في تلك السيدة، وأنا حتى لا أعرف اسمها، ولا لماذا بالغت في خيالاتي تجاهها. قطع سبيل أفكاري نداء محطتي، بعد أن بنيت عالماً مثالياً مع سيدة مجهولة في الحافلة. نهضت مستسلمًا لقدري، لكني فوجئت بها تهمّ بالنزول في محطتي ذاتها
 
وظننت بهذه الصدفة ربما أراد الحظ أن يلعب لعبته معي، وأن خيالاتي ستصبح حقيقة. حملت آلة التشيللو خاصتها مرة أخرى وساعدتها في النزول ولكن هذه المرة لإبهارها واحتلال خانة من حيز اهتمامها
 
ابتسمتْ وشكرتني وأخبرتني أنها قدمت من مكان بعيد، ولا تعرف شيئًا عن هذه المدينة
 
ظننتها الفرصة. فكرت في مدّ أطراف الحديث إلى منحنى آخر... لكنني سرعان ما عدت وطويتها تاركًا خلفي ابتسامة بلهاء تلهج بكلمات غير مفهومة، ومضيت سادرًا نحو وجعي إلى الباب الأزرق اللعين لأركله بقوة.. ولكن هذه المرة لأسباب معلومة

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0