عندما إلتقيت بذاتي المفقودة

سلسبيل محمود

سلسبيل محمود

نشب حريق بالمهجع حيث كنا نقطن، فررت وسامرَ، أو هكذا كان الاسم الذي أُلصِق به لحظة العثور عليه، حيث أنبتنا الله في هذه المهاجع، لا نعرف شيئاً سوى تلك الهويات المصطنعة
 
تقاطعنا وخيوطُ النار تنساب من خلالنا، نجونا يومها لكنني لا أعرف مم.. فقد أمضيت حياتي محاولاً الهرب من شيء أجهله
 
كانت تلك اللحظة لحظة ميلاد أخوتي مع سامر، بيد أننا فيما بعد كبرنا وسلك كلٌ منا طريقاً غير الآخر، غرقت في دهاليزي القاتمة، محاولاً تجاهل حقيقة هويتي التي سُلبت مني لحظة ولادتي، مسحت الماضي وبنيت حاضراً يتماهى ومقتضياتِ المجتمع الذي أعيش فيه. كانت الجريمة أداتي للنجاة من نفسي ومن كمّ الأسئلة التي تحاصرني، فما بين الحق واللا حَق، اخترت اللا حَق. اخترت القوة الآخذة، لا الشرف الضعيف، بينما كان سامر محظوظاً في أن تبنته أسرة ميسورةُ الحال، فغدى بذلك معلماً نبيلاً لن تجرده الحياة من إنسانيته
 
في ظل الديستوبيا التي نعيشها، غازلت إحدى نسمات ليالي الصيف حزني الدائم وحرضتني على الابتسام فهويت بمعول شري الذي كنت أتأبطه مؤقتاً داعياً سامر إلى المقهى القديم حيث نتسابق في إزهاق لفافات التبغ محيلين بها أنفسنا إلى أكوام رماد، بث كل منا همه إلى الآخر وسط تراجيديا المشهد هذا، شعرت وكأنما توقف الزمن لبرهة، بدخول فتاة ما تحمل معها عصاً سحرية تقلب الأرض بستاناً فخلتها تزهر لا تمشي. رجل مثلي، علم نفسه ألا يقع في فخ التعلق، صاداً بنفسه عن أي محاولة توقظ إنسانيته الدفينة، الحب عنده انتحار، وقتلٌ لأسطورته الذاتية التي بناها من اللا شيء، شعر بشيء، أشبه بالبشرية في تلك اللحظة. سِرٌ ما بهذه الفتاة، جعله يزيل قناعه الوحشي. كان وقع الموسيقى صاخباً في المقهى ولكن قلبه كان يخفق بشدة كأمواج عاتية تعانق تخوم نجاته تارة وتفر بعيدا إلى سراديب ظلامه الدامس تارة أخرى
 
ريم .. من بين الأسماء كان اسمًا لها، وكانت الكمالَ لشخص جُبِل على النقصان مثلي، تعلمت الحب من أجلها. اهتديت بكلماتها نحو النور، أصبحت النجاة تعني لي شيئاً، تزينت من أجلها بديكورات الحب، وعندما غدى هذا الحب شيئاً يقينياً بيننا، قررت أن أهديها خاتماً لنؤطر هذا الحب، وأن أخلع رداء الظلام للأبد، مغادراً عوالمي الموحشة إلى كنف السعادة السرمدية
 
كان كلانا يفيض بمشاعره وكأنما ملكنا الدنيا وما عليها
طلبت يدها لنزهر سوياً، ونصبح الكمال الذي لطالما حلمت به
تعكر وجه ريم لطلبي وطلبت مني الجلوس
اجلس يا علي.. قالت ريم بصوت يكتنفه الأسى والحيطة
هناك ما يجب أن تعرفه
قالت ريم برمة واحدة
أنا ريم.. لا أعرف عن نفسي سوى هذا الاسم
نشأت في إحدى الدير حيث تم التقاطي من المجهول على مشارف المدينة و.. هربت قبل أن تكمل ريم السردية التي أحفظها
الكابوس يعود مرة أخرى، ريم ليست الكمال، ريم هي النقيصة

غادرت.. تاركاً لعنة هويتي المفقودة تنتصر عليّ مجدداً 

نسعد بأن نشارككم جمال القصص القصيرة
We love sharing Short Stories

اختر اللغة التي تفضلها
Select a Story Collection
0